من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٣ - مراحل العلم وهدف الأنعام
وربطت هذه الآية بين العقل وبين التعرف على سر تسخير الطبيعة للبشر، لأن فهم هذه الحقيقة صعب وبحاجة إلى تجارب مختزنة أكبر. يقول ربنا (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) فاختلاف سنن الله في الليل من الظلام والسكون، وركون الطبيعة إلى الراحة. اختلافها عن النهار وما فيه من الضوء والضوضاء، والنشاط في السعي كل ذلك جاء لمصلحة البشر، كما سخر الله الشمس والقمر (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ)، وقد لا تكون النجوم جميعا مسخرات للبشر إلا أنها تنفع البشر، وترتبط بتسخير الشمس والقمر، آيتي النهار والليل.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فعن طريق تخزين التجارب والاستفادة منها سوف يبلغ البشر درجة من العلم تؤهله لمعرفة سر الطبيعة، وأن كل شيء فيها قد نظم لمصلحة البشر، وأن عليه أن يستفيد منها لحياته، ولكن لا يزال أمامنا مسافة حتى نصل إلى ذروة العلم ما هي تلك المسافة؟ إنها التذكر.
[١٣] بعد العقل يأتي دور التذكر وهو المرحلة المتقدمة في مسيرة المعرفة.
جيم: وهي مرحلة استيعاب التجارب من أجل العمل، فكيف نستفيد من الطبيعة المسخرة لنا؟ هل كل شيء فيها صالح في كل وقت ولكل شخص؟ كلا .. إذ أن حقيقة الأشياء مختلفة، وكل شيء نافع لوقت ولشخص، بالرغم من أنها جميعا خلقت للبشر.
(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ) ما أظهره الله في الأرض وما أنشأه وفطره من أجلكم ولمنفعتكم، (مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).
[١٤] والله سخر الطبيعة للإنسان، ولكن على الإنسان أن يسعى هو بدوره من أجل إنجاز هذا التسخير في بعض الأحيان، فليس النعم تأتي دائما كما السماء، بل قد تحتاج إلى معالجة جادة وإلى المخاطرة كالصيد في البحر. والسفر عبره للتجارة.
(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) فالبحر مثل مخزن كبير لأفضل أنواع اللحوم تحصل عليها فيه بأقل جهد وكذلك للحلى.
(وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) المخر: شق الماء عن يمين وشمال. ويحدث هذا الشق صوتا يشبه صوت العاصفة، وهنا يذكرنا القرآن بمرحلة رابعة للعلم هي
دال: مرحلة الاستفادة العملية من العلم، تلك التي نسميها اليوم التقنية، وربما يسميها