من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - لماذا البعث؟
ومن جهة ثالثة: العلم بالآخرة، يجعلنا نؤمن بأن هناك حقا ثابتا في هذا العالم، وأننا سوف نعرفه ونحاسب على أساسه في يوم ما لذلك لابد أن نبحث عنه وأن نجعله هو المحور لتفكرنا وعملنا.
وفقدان محورية الحق يشبه سقوط قاعدة البناء، كل شيء فيه ينهدم، فاذا لم يكن هناك حق وباطل واقعيان، وإذا لم يكن هناك حسن وقبح عقليان- حسب تعبير الفلاسفة- فلماذا ترانا نبحث في العلم؟ وما هو المقياس في الصراعات؟ هل المقياس هو الأنا، أم الأقوى، أم ماذا؟
ويبدو أن الآيتين توضحان هذه الحقيقة
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) القسم فيما لا يعلم الفرد دليل على تأكيده على جهله وفراره من العلم بالحق، وإلا فلماذا التأكيد على القسم على أن الله لا يبعث الموتى؟
(بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) إن وعد الله حق، وقد وعد أن يبعث من يموت، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك.
يقول العلامة الطباطبائي: (أي لا يعلمون انه من الوعد الذي لا يخلف، والقضاء الذي لا يتغير لإعراضهم عن الآيات الدالة عليه، الكاشفة عن وعده وهي خلق السماوات والأرض، واختلاف الناس بالظلم والطغيان، والعدل والإحسان، والتكليف النازل في الشرائع الإلهية) [١].
وقال البعض: (إن المعنى لا يعلمون وجه الحكمة في البعث فلا يؤمنون به) [٢].
ويبدو أن القرآن، ينفي علم أكثر الناس كعلم، لكي لا تتخذ الأكثرية مقياسا، بل يكون المقياس هو الحق الذي يتبين في الآخرة، وتنتهي الآية إلى بيان حقيقة العلم ومقاييسه، والله العالم.
لماذا البعث؟
[٣٩] من أهداف النشور بعد الموت تبيان الحق، وكشف زيف الكفار، وهكذا يكون من حكم الزمان بالآخرة، الإيمان بوجود مقياس ثابت للحق، يرجع إليه الناس، فيحكم بينهم
[١] تفسير الميزان: ج ١٢ ص ٢٤٧.
[٢] مجمع البيان: ج ٦ ص ٤٦٧.