من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٧ - ما هي العصمة؟
(مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).
فَقَالَ مَوْلَانَا الرِّضَا عليه السلام
وَيْحَكَ يَا عَلِيُّ اتَّقِ الله وَلَا تَنْسُبْ إِلَى أَنْبِيَاءِ الله الْفَوَاحِشَ وَلَا تَتَأَوَّلْ كِتَابَ الله بِرَأْيِكَ فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ
(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).
أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آدَمَ عليه السلام (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)
فَإِنَّ الله عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ آدَمَ حُجَّةً فِي أَرْضِهِ وَ خَلِيفَتَهُ فِي بِلَادِهِ لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْجَنَّةِ، وَ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ لَا فِي الْأَرْضِ لِتَتِمَّ مَقَادِيرُ أَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَجُعِلَ حُجَّةً وَخَلِيفَةً عُصِمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)
إِنَّمَا ظَنَّ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ الله عَزَّ وَ جَلَّ
(وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ)
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الله لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَكَانَ قَدْ كَفَرَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي يُوسُفَ (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)
فَإِنَّهَا هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ وَ هَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِهَا إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ مَا دَاخَلَهُ، فَصَرَفَ اللهُ عَنْهُ قَتْلَهَا وَالْفَاحِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ
(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ)
يَعْنِي الْقَتْلَ
(وَالْفَحْشَاءَ)
يَعْنِي الزِّنَا) [١].
ثانياً: إن يوسف عليه السلام، كان صديقا أيقن قلبه إن جماله من الله، وهو الذي أعطاه القوة ومكنه في الأرض، وأن من كفر بأنعم الله لا يفلح، وبسبب إيمانه الصادق بهذه الحقائق أدركه في ساعة المحنة إيمانه، وبلورت المعاناة شخصيته التي عجنت بروح الإيمان والتقوى، فظهر له برهان ربه وحجته البالغة في تلك اللحظة الشديدة من صراعه مع طبيعته ومع مجتمعه المتمثل في قوة ربة بيته، فكان كمن قد رأى البرهان واضحا أمامه.
وهكذا المؤمنون الصادقون يتذكرون ربهم كلما مر بهم طائف من الشيطان، وتعرضوا لتجربة صعبة فيتركون المعصية، بينما يغط غيرهم في غفلة شاملة.
إن اللحظات الصعبة في حياة الفرد تستخرج دفائن نفسه، وخبايا ذاته، وسرائر عزيمته، فالمؤمن يزداد إيمانا، بينما غيره يفشل في التجربة.
ومن هنا كان على الفرد أن يعمل عملا صالحا ليزداد ايمانا فينتفع به في ساعات صراعه الحاسم مع الشهوات أو ضغوط المجتمع حيث لا ينفع المرء إلا ذخائر إيمانه.
[١] بحارالأنوار: ج ١١، ص ٧٣.