من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٢ - نصرة الله
ولو عمل المسلمون بهذه الآية الكريمة لأغنتهم عما في أيدي أعدائهم، وهيأت لهم استقلالا اقتصاديا، وثقافيا، وسياسيا، كيف؟.
لقد أودع الله في الإنسان معادن لا تنفد ولا تحد، وسخر له الطبيعة بما أعطاه من علم وإرادة وقوة. ومن أعظم المواهب التي أتاها الرب للخلق الطموح، فكل واحد يتطلع إلى العظمة، ويحب الكمال وهذا التطلع هو جناح المرء في تحليقه في فضاء التقدم. إلا أن الشيطان يغويه، ويوجه طموحه في الاتجاه الخاطئ، إنه يلوي مقود سيارته عن الشارع المعبد الذي يمهده الجهد الصادق باتجاه الصخور الوعرة، ويهمس في أذنه هذا هو طريق المجد، الكذب، الغش، السرقة، وانتهاب ثروات الآخرين، واستغلالهم، أو استجداء العون منهم، وهكذا يخدعه مرتين حين يسلب عنه عزيمته، وحين يخيل إليه أن الآخرين ينفعونه.
أما المؤمن فأنه يعلم أن قوة ساعده، ونفاذ بصيرته، ومضاء عزمه كل أولئك كفيل بتقدمه، وإن رزقه موجود في الطبيعة، في الأرض التي يزرعها، في المعادن التي يستخرجها ويسخرها، وبالتالي في التعامل الشريف مع الناس.
وهكذا يبني بناءه على الصدق، فإن دخل في عمل، في مشروع، في حركة، في شركة، دخل بنية صادقة لم يدخل ليستغل جهد الآخرين، ولا ليستريح من بذل الجهد، ثم لا يخرج إلا بصدق فيكمل مسيرته حتى النهاية، ويتم عمله بأحسن وجه دون أن يخدعه الشيطان، فيدفعه لترك العمل. متى ما رأى فيه صعوبة.
ولعل صدق العمل في المدخل والمخرج هو التحدي المناسب لخطة إبليس في مشاركة الأموال والأولاد، حيث قال الله سبحانه في آية مضت بينت مكر إبليس في تضليل البشر قال (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً) [الإسراء: ٦٤].
إذ أن صدق المؤمن لا يدع مجالا لمشاركة إبليس الذي يهدف إفساد الاقتصاد والتربية، وكيف يفسد اقتصاد قوم لا يأكلون الحرام، ولا يسرقون جهد بعضهم، ولا يتعاملون بغش، أو تطفيف، أو تغرير، أو كذب!.
ونستوحي من تواصل بداية الآية وخاتمتها أن الصدق في الدخول والخروج وسيلة لنزول نصر الله، وبلوغ القوة (السلطان) والعزة (النصر).
والصدق في البداية هو خلوص العمل، بينما الدعاء في الخاتمة هو التوكل وهما العمل الصادق والتوكل على الله يتكاملان فلا توكل من دون عمل، ولا ينفع العمل من دون التوكل.