من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٨ - المكر الخاسر
(وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) تزعم الجاهلية الحديثة التي اخترقت الفضاء، وغارت في أعماق المحيطات، وفلقت الذرة، ودكت الجبال تزعم أنها تستطيع الفرار من عقوبة ظلمها للمحرومين والمستضعفين، ولكن هيهات، إن الذي زود البشر اليوم بهذه الطاقات قادر أن يسلبها منهم متى يشاء.
إن كل جيل من الظالمين كان يحسب أنه قد بلغ القمة في تسخير الطبيعة، ولكن بعد حلول أجله أحاط به مكره، وهلك في الأكثر بذات القوة التي زعم أنها تحميه، فأغرق الله فرعون، وابتلعت الأرض قارون وكنوزه، ودكت حصون عاد ذات الصخور التي اعتمدت عليها.
[٤٧] كما أنه قد يزعم الظالمون إن الله يتجاوز عن ظلمهم، بسبب أو بآخر، ولكن هيهات .. وقد وعد ربك رسله بان يأخذ أعداءهم بعزته، وإذا كانت صفة الرحمة والغفران أبرز اسماء الله، فان اسم العزيز المنتقم من أسمائه الحسنى أيضا، وأنه سوف ينفذ هذا الاسم عليهم بسبب وعده للرسل، فلا يغرقوا في الرجاء الساذج، ويتوغلوا في ظلم العباد (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ).
[٤٨] ويبقى سؤال: إذا لماذا لا ينتقم الرب من الظالمين على كثرة ظلمهم؟ أجل أنه أخَّر انتقامه ليوم القيامة (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ) فلأن البحار تتبخر، ولأن الجبال تتدكدك، ولأن الأرض تصبح قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، فإن الأرض تبدو وكأنها غير تلك التي نعرفها، كما أنه يتغير لون السماوات، وتجتمع أجرامها إلى بعضها، حيث تجمع الشمس والقمر، وتتناثر نجومها، وتكون السماوات غير هذه التي نراها، وهنالك يظهر الظالمون أمام محكمة الله (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) هنالك يتجلى اسم العزيز ذي الانتقام، فهل من مهرب؟.
[٤٩] أما المجرمون فيؤتى بهم على رؤوس الأشهاد وقد صفدوا بالأغلال الموضوعة على ايديهم، حيث يسلكون في سلسلة طولها سبعون ذراعا (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) بعضهم ملتصق بالبعض مغلولين- والعياذ بالله-.
[٥٠] وقد ألبسوا من مادة القطران سرابيل، حيث تحيط بهم مادة لزجة سوداء نتنة تشبه القار- يطلى بها الإبل- فتصبح كالثوب للقسم الأسفل من أجسادهم، بينما القسم الأعلى منها، تحيط به النار فتصبح كالحجاب.
(سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ) دعنا نتصورهم في مادة سائلة