من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٦ - إبليس يتحدى سلطان الحق
بتلك القدسية التي نفخها الله فيه، منحه العقل والإرادة، وكذلك عنصر النار فقيمته مستمدة من الخلق الإلهي ليس إلا. ولئن رأى في النار مجداً، ففي التعليم الإلهي الذي هو سبيل إخضاع الطبيعة ميزة في هذا المخلوق الترابي.
[٦٢] (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) قالوا: معنى هذه الكلمة أخبرني، ولعل معنى الكلمة هل ظننت انك تغلبني وفيها نبرة التحدي والتمرد وكان أسلوب اللعين بعيدا جدا عن مقام رب العالمين إذ كان أسلوبه أسلوب تحد على من كرم الله وكأنه كان يقول: ستعلم ما أفعل بهذا الذي كرمته علي وأمرتني بالسجود له!!.
(لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي أمهلتني حتى يوم القيامة لترى ماذا اعمل!!.
(لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) ما هي غاية إبليس؟.
هدف إبليس أن يحتنك بني آدم، والاحتناك [١]، كما قال المفسرون له معنيان
أولًا: الأخذ من العنق أي سوف أقود بني آدم سوق البهائم.
ثانياً: الاستئصال أي لأستولين عليهم بالكامل (إلا قليلا) ممن يتمرد علي ويتبع عقله وهذا قول الشيطان، ويبدو من هذا الحوار أن إبليس يقول: أنا أقوى من آدم، أنت كرمته علي بيد أنى سوف ادخله النار.
[٦٣] (قَالَ اذْهَبْ) أعطيتك الفرصة والمهلة، (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً).
إن الله خلق الجن والإنس ليعبدوه وكرم بني آدم وأهله لعبادته، أما إذا خرج عن حده ووقع في خط الشيطان، آنئذ يسحب الله الكرامة منه ويدخله جهنم هو وجنود إبليس أجمعين. وهكذا إبليس من أشد الأعداء خطورة على ولد آدم جاء في الدعاء
(إِلَهِي أَشْكُو إِلَيْكَ عَدُوّاً يُضِلُّنِي، وَشَيْطَاناً يُغْوِينِي، قَدْ مَلَأَ بِالوَسْوَاسِ صَدْرِي وَأَحَاطَتْ هَوَاجِسُهُ بِقَلْبِي، يُعَاضِدُ لِيَ الهَوَى وَيُزَيِّنُ لِي حُبَّ الدُّنْيَا وَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّاعَةِ وَالزُّلْفَى)
[٢]، إلا أن الله سبحانه وتعالى زود الإنسان بالإرادة والعقل وأعطاه مزايا عدة كيف؟ تعالوا نستمع إلى هذا الحوار.
عن زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام قال
(لَمَّا أَعْطَى اللهُ إِبْلِيسَ مَا أَعْطَاهُ مِنَ القُوَّةِ قَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ سَلَّطْتَ إِبْلِيسَ عَلَى وُلْدِي وَ أَجْرَيْتَهُ مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ فِي العُرُوقِ، وَأَعْطَيْتَهُ مَا أَعْطَيْتَهُ
فَمَا لِي وَلِوُلْدِي؟.
[١] قالوا: احتنك فلان ما عند فلان من مال: استقصاه وأخذه بالكلية، واحتنك الجراد الزرع: أكله بالكلية.
[٢] بحار الأنوار: ج ٩١ ص ١٤٣، ب ٣٢ باب أدعية المناجاة.