من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٨ - الرسول يتحدى الضغوط
في الدنيا والآخرة، ونظرا لمقام الرسول وعظم مسؤولياته فإنه يحاسب بقدر تلك المسؤوليات فكلما ارتفعت مسؤولية الإنسان، كلما حوسب أكثر بعكس الذين لا يحملون مسؤولية كبيرة، لأن انحراف القيادة يعني انحراف قطاع كبير من الأمة.
(ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً) هذه الآية هي جواب على الآيات الأولى (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) أي لو انحرفت فقد تجد من ينصرك في الدنيا، ولكن من الذي ينصرك من عذاب الله.
[٧٦] (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا) الإنسان الذي يحمل الرسالة لابد أن يضع في اعتباره أنه سوف يتعرض للضغوط الاجتماعية، والمادية، ومن ضمن هذه الضغوط (الإخراج والتهجير والمقاطعة الاجتماعية والإيذاء). ومن يقرأ ما عانى رسول الله من الإيذاء لا يمتلك دموعه، وخاصة عندما فقد عمه وزوجته في عام الأحزان، ولم يجد أحدا يمنع المشركين عن أذاه، فاشتد إيذاؤهم له، وتولى أبو لهب سيادة قريش، ويزداد أذىً له وهو عمه واقرب الناس إليه، وإذا كان عمه هكذا فكيف يكون المشركون؟!.
ثم بعدما ضاقت عليه الأرض بما رحبت هاجر إلى الطائف، ولقي من العنت مثلما لقي في مكة، فإذا بصبيانها يدمون رجلي الرسول بالحجارة، وعندما تأزمت الأمور أكثر بين الرسول وأهل مكة حاولوا إخراجه، ومن ثم تآمروا على قتله، فهاجر إلى المدينة ليفتح بذلك صفحة جديدة أطلت على التاريخ ببوارق الأمل.
(لَيَسْتَفِزُّونَكَ) أي يخرجوك وينفرونك، وهذه ثانية خطط إبليس وشياطينه حيث إنهم حين يفشلون في تغيير الرسالة لتوافق مصالحهم، ولا أقل لكي لا تضرها رغم إغرائهم لصاحب الرسول بأنهم سوف يدخلون في دينه لو فعل ذلك- أقول بعد فشلهم هذا يتوسلون بالإرهاب، ويحاولون طرد صاحب الرسالة- من أرضهم.
ونلاحظ أن القرآن أشار إلى هاتين الخطتين في الآية (٦٣) حيث قال (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) وكأن السياق هنا يذكرنا بفشل إبليس مع نبينا، وأن علينا ألا ندعه ينجح معنا أيضا، أَوَلسنا أتباع ذلك الرسول؟!.
(وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا) أي لن يستطيعوا أن يواجهوك بعدما يخرجوك. لعل الآية تشير إلى سنة إلهية، قضاها الرب لعباده: إن رسل الله، والذين هم يسيرون على نهجهم، أوتاد الأرض، فمن دونهم تسيخ بأهلها، بهم يحفظ الله العصاة أن يدمرهم شر تدمير، فإذا طغى الناس وأخرجوا هؤلاء من بلادهم فإن العذاب يصب عليهم صبا. ولو لا