من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٧ - الرسول يتحدى الضغوط
يقول ربنا: وهو يشير إلى تلك الضغوط (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يسعى الكافرون والمشركون أن يفتنوا الرسول، ويبعدوه عما أوحي إليه بالتشكيك، أو بالإرهاب، أو بالضغوط الاجتماعية، والنفسية (لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ) ليس فقط يريدون أن يبعدوك عن رسالتك، بل يريدون أن تسخر هذه الرسالة لصالحهم، لأنهم يفكرون لو أنهم أبعدوك عن دينك، فإنه من الممكن أن ترجع إليه، ولكن عندما تفتري على رسالتك، وتكذب فيها آنئذ ستفهم هذه الرسالة بشكل مشوه، وبالتالي ستبتعد عن دينك، وهذا ما يفعله الكفار ومن شايعهم اليوم، حين يصيغ الإسلام كما يريد، ويحرفه عن مساره، يحوله إلى دين الطقوس والشكليات المجردة بعد أن يفرغه من جوهره، ويختار لذلك بعض أدعياء الدين.
(وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) إذا كيفت رسالتك حسبما يريدون فأنت إذا مخلص لهم وما جزاء المخلص لهم إلا أن ترفع مرتبته عندهم، وهكذا يجب على الداعية أن لا يتنازل عن مبادئه في أي ظرف من الظروف، وأن يضحي من أجل أداء رسالات ربه.
[٧٤] (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) لولا اتصال الرسول بينبوع القوة، لكانت الضغوط تجبره على التنازل عن رسالته، وحاشا الرسول أن يتنازل عن مبادئه، وينقل الرواة إن سبب النزول هو: أن المشركين جاءوا إلى الرسول وقالوا له: (كف عن شتم آلهتنا، وتسفيه أحلامنا)، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم الصنان (الصنان: نتن الإبط) حتى نجالسك ونسمع منك، فطمع الرسول في إسلامهم، فنزلت هذه الآية، وجاء في حديث العياش عن الإمام الصادق عليه السلام (انه سئل عن هذه الآية فقال: لما كان يوم الفتح اخرج رسول الله صلى الله عليه واله أصناما من المسجد وكان منها صنم على المروة، وطلبت إليه قريش أن يتركه وكان مسخا، فلم يتركه، ثم أمر بكسره فنزلت الآية) [١].
ولعل الآية توحي بأن الداعية قد يهم لتغيير بعض بنود رسالته طمعا في إدخال الناس في الدين وهذا بدوره خطأ، وينبغي أن يتجنبه الداعية.
إن عصمة الرسول التي تدل عليها الآية (٧٤) بصراحة تشهد على أن الرسول لم يعزم أبدا على تقديم تنازل للمشركين، وروي عنه انه صلى الله عليه واله قال بعد نزول الآيات
(اللهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَدا) [٢].
[٧٥] (إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) أي لأذقناك ضعف العذاب
[١] تفسير الصافي: ج ٣، ص ٢٠٨.
[٢] مجمع البيان: ج ٦ ص ٢٧٩، بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٠٤.