من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٢ - السجن أحب إلي
أما المتكأ: فهو الوسادة وهي كناية عن المائدة أو لا أقل المجلس الطويل الذي يستراح إليه، وتدل الآية على وجود شيء يؤكل ويهيّأ قبل الأكل بالسكين (وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) وهكذا خرج يوسف على النسوة في وقت إنشغالهن عنه بالطعام.
(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) أي عظمن يوسف أيما تعظيم، بجلاله وجماله (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) فأخذن يجرحن أيديهن بسبب الانشغال بجمال يوسف (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً) أي أن يوسف منزه عما ينسب إليه، فلقد تحاشى يوسف الصديق الفاحشة وابتعد عنها تقرباً إلى الله وإخلاصاً له، فكساه نوراً وجلالة ومهابة؛ حتى قالت النسوة: إنه ليس ببشر (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ).
إذن فالتعيير الذي تعرضت له امرأة العزيز بسبب مراودتها لفتاها حتى قالت عنها النسوة إنها في ضلال مبين، لم يكن في موقعه أبداً. إذ أنه أرفع من مستوى البشر، فكيف يُحسَبُ فتىً عاملًا في بيت العزيز- كما كانوا يزعمون-.
[٣٢] واستفادت امرأة العزيز من الوضع واجابت عن تعييرهن لها (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) إن هذا هو سبب تعييركن لي، فهل يُعَيَّر من يعشق مثل هذا الفتى (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) أي أنه طلب العصمة من الله حتى لا يفعل ما يؤمر به (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ).
وهنا أرادت زليخا ان تأخذ الشرعية من النسوة لفعلها، ويبدو أن النسوة قد أعطينها تلك الشرعية مما دل على مدى الفساد المنتشر في ذلك المجتمع الجاهلي، حيث انه يسمح لامرأة تحب الفجور أن تسجن فتى بريئا لمجرد طهارته واستعصامه بالله عن الفحشاء.
السجن أحب إلي
[٣٣] ويبدو أن النسوة اختلين بيوسف الواحدة تلو الأخرى بحجة السعي وراء إقناعه بقبول كلام سيدته، ولكنهن عرضن ليوسف الفجور بهن، والشاهد هو قول يوسف الذي ضاق بهن ذرعا، وتوسل بالله أن ينقذه من أيديهن ولو كان بالسجن (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).
وبعد أن كانت المشكلة واحدة فقط أصبحت الآن متعددة، حيث أن الفساد الذي كان شائعا في تلك البيئة قد أحاط بشخص يوسف عليه السلام، ولكن كانت تلك حكمة بالغة لله حيث أن تحدي يوسف عليه السلام وهو فتى اشتري للخدمة، وطالبته سيدات مصر للفاحشة بما فيهن