من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١ - فأتوا بعشر سور مثله
تزول- لا سمح الله- تلك النعم أيضا، فلا يخرجك الفرح عن طورك وتفتخر بالنعمة، فإن هناك نواقص كثيرة لا تزال تحيط بك، وعليك أن تعمل من أجل إصلاحها جميعا. وهكذا تجد المؤمنين صابرين يقيمون الأحداث جميعا، فيبصرون في أيام شدتهم أيام رخائهم المنتظرة، ويتذكرون أيامهم الماضية، ويعلمون أن الحياة في تغير دائم، وأن سبب التغير المباشر وغير المباشر هم أنفسهم فعليهم إذن أن يعملوا صالحا في أيام الشدة لكي لا تدوم، وفي أيام الرخاء لكي لا تزول، ولكي يبلغوا درجات أعلى منه.
(إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) يغفر الله ذنوبهم فترتفع اسباب الشدة، (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) بسبب اعمالهم الصالحة فهم في تقدم مستمر.
إنما أنت نذير
[١٢] لأن رسالات السماء جاءت لتزكية البشر، فيجب أن يستقيم الرسل في إبلاغها حتى ولو عارضت أهواء الناس، وليس لهم أن يتركوا بعض الرسالة تنازلا لرغبة الناس أو خشية من غضبهم لأنهم آنئذ لا يقدرون على تحقيق هدف الرسالة وهو إصلاح ما فسد من الناس، ولقد رأينا في الآيات السابقة كيف أن الإنسان بطبعه جاهل وعجول لولا التربية الإيمانية، إذ على الرسول الاستقامة في إصلاحه حتى يخرج من هذه النفسية الجاهلية.
(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) كلا عليك أن تبقى صابراً أمام ضغط أهوائهم ودعاياتهم التي منها (أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) إنهم لا ينتظرون قليلا حتى يروا أن تطبيق الرسالة كفيل بأن يفتح لهم أبواب الرحمة، وأكثر بكثير من مجرد كنز ينزل على الرسول، وأن انتصارات الرسول صلى الله عليه واله أكبر من مجرد نزول ملك معه، لأن (روح القدس)- وهو أعظم ملك- يهبط معه، ولكنهم لا يفقهون هذه الحقيقة.
إن عملهم وليس أي شيء آخر يضمن مستقبلهم، وإنما دور الرسول هو التذكرة والتوجيه (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) فالله هو الذي يوفر الحياة السعيدة بقدرته لمن يعمل بالرسالة، ويسلبها ممن يكفر بها.
فأتوا بعشر سور مثله
[١٣] ولا يسع الجاهليون إلا إنكار الرسالة واتهام الرسول صلى الله عليه واله بأنه قد افتراه كذبا على الله تعالى، والقرآن يتحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثل القرآن افتراء على الله كذبا إن كانوا