من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٦ - بين الخلق والأمر
يستعجل المشركون دائما جزاء أعمالهم، زاعمين أن التأخير دليل العدم، كلا .. فها هو أمر الله المتمثل في تحقيق ما أنذر به الرسول قد أتاكم ليجازيكم على شرككم، دون أن يقدر الشفعاء على إنقاذكم من عذاب الله.
وتهبط الملائكة بين حين وآخر من أمر الله، بالروح الذي يحمل رسالة ربه إلى الناس بالإنذار بضرورة التوحيد، والأمر بالتقوى. ولا أحد يفر من الجزاء، لأن خلق السماوات والأرض قائم على أساس الحق، ولا إله ينقذ البشر من عذاب الله. تعالى الله عن شركهم.
ومن الذي يستكبر على الله؟! إنه هذا الإنسان الذي كان أصل خلقه نطفة، فإذا به يديم الجدال وبكل وقاحة في الحقائق، بالرغم من انه لا يزال بحاجة إلى نعم الله، فهذه الأنعام خلقها الله للإنسان يستدفئ بها، وينتفع منها، ويأكل منها، ويتخذ منها وسائل الزينة، ووسائل النقل إلى بلد بعيد يشق على الأنفس الوصول إليه، كل ذلك آية رحمة الله ورأفته بالبشر، كما خلق الرب الخيل والبغال والحمير لكي يمتطيها البشر ويتخذ منها زينة، هذه نعم ظاهرة، وهناك نعم باطنة لا نعرفها، والله الذي هيأ النعم حدد البرامج التفصيلية للإنتفاع الأفضل منها، حين بين لنا بفضله السبيل المستقيم إليها، ولكن دون أن يفرض علينا السير عبره، ولو شاء الله لهدى الناس جميعا.
بينات من الآيات
بين الخلق والأمر
[١] يبدو إن أمر الله هو إبداعه وإنشاؤه الذي يتم بإحداث الإرادة، ويعبر عنها القرآن بكلمة- (كُنْ)- قائلا (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢].
ويبدو أن هناك فرقا بين الأمر والخلق؛ فالخلق قد يكون بالوسائل المعهودة، و حسب السنن التي أجراها الله، بينما الأمر هو الخلق المباشر الذي لوحظ فيه الإنشاء والإبداع.
وكذلك أمر الله هو بتدبيره المباشر يوماً بيوم و ساعة بساعة حيث قال الله سبحانه (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: ٥٤].
فالذي خلق أول مرة هو الذي يجري في خلقه سننه الظاهرة وكلماته الباطنة فهو فعّال لما يريد، يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء وهو كل يوم في شأن ومن هنا يسأله من في السماوات والأرض. و يستجيب دعاء المضطر إذا دعاه. ويكشف كربة المكروبين.
وعذاب الله للأمم المنحرفة، كما رسالة الرسل أمران إلهيان إبداعيان، لا يخضعان للسنن