من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٧ - كيف تنهار الأمم؟
قلنا بأننا لسنا من قوم نوح، أو قوم عاد، أو ثمود، فإن الله يؤكد لنا بأنه سبحانه أعلم بذنوبنا منا، وليست المسألة محصورة في عنصر ما، بل هي سنة الله في الخلق.
[١٨] قد جاء في الآية (١٢) من هذه السورة المباركة (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا). وهذه الآية تكلمنا وتقول (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) فإذا أراد الإنسان الدنيا فإن الله يؤتيه منها بقدر حكمته ووفق سنته.
(ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) فيذم نفسه، ويذمه الآخرون، ويدحرونه، أي يبعدونه عنهم وكذلك الله يذمه ويدحره.
[١٩] (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) وتشير الآية إلى أن سعي الإنسان في الدنيا مفيد، فإن كان يريد الدنيا إن الله سبحانه يعطيه منها بقدر، ومن أراد الآخرة يشكره الله على سعيه.
ولكسب رضا الله والفوز بالجنة لا يكفي الإنسان أن يحلم بذلك، بل عليه أن يسعى من أجله، وأن يكون مؤمنا بعمله، يؤديه عن خلوص نية.
[٢٠] (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) وقد يتساءل المرء: من أين تأتي قوة الإنسان التي يختار بها طريقه ويسعى بها فيه؟.
الحقيقية أن قوة الاختيار، وقوة السعي هي من عند الله، فحتى العصاة يستمدون قوتهم من الله، فليس عطاء الله ممنوعا عن أحد في الدنيا، وهذا منتهى الحرية الممنوحة للبشر.
[٢١] (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) فإذا كان الفرق بين إنسان وآخر في الدنيا الأموال الكثيرة، والرفاه الواسع، فإن هذه الفواصل في الآخرة تكون أكبر بكثير، والمسافة بينهما أعرض، فترى إنسانا مؤمنا يخرج من قبره في يوم القيامة، فيجتاز الصراط بسرعة إلى الجنة، وهناك مؤمن ينتظر خمسين ألف سنة في صحراء القيامة حتى يصل دوره للحساب، بينما نجد جارهما المنافق أو الكافر يلقى في نار جهنم مذموما مدحورا.