من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٥ - المسؤولية وعامل الزمن
إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ فَإِذَا مَضَى يَوْمٌ فَقَدْ مَضَى بَعْضُكَ)
[١]، فالذي يعرف أن للزمان قيمة (يحاسب نفسه على الساعات والدقائق) يتقدم لأنه يعلم أن
(مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً) [٢].
(وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) فالأيام لها حسابها، واليوم يختلف عن الغد، وهذا الشهر يختلف عن الآخر، وإن كانت كلها لله، وقد فصل الله لنا بيان حقيقة الزمان، والتقدير لكي نتذكر ونعي واقع أنفسنا، والله الذي دبر شؤون الليل والنهار والقمر والشمس، وقدرهما بالسنين والحساب، جعل للإنسان أيضا كتابا وحسابا، فما من عمل يقوم به أو خطوة يخطوها، أو فكرة تجول في ضميره إلا وتسجل في كتابه، ويحاسب عليها يوم القيامة.
[١٣] (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وهذه الآية دعوة ضمنية إلى تحمل المسؤولية لأنها تذكر الإنسان بمسؤوليته عن عمله والذي يترتب عليه جزاؤه في الحاضر والمستقبل.
(وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً) فللإنسان كتاب عند الله، فيه تفصيل ما عمله في دنياه. ينشره له يوم القيامة ليقرأه.
[١٤] (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) الإنسان يعترف بأعماله، ويحكم نفسه بنفسه، فلا حاجة إلى محكمة تقضي عليه، ولا إلى شهود يثبتون عليه جرائمه، بالرغم من وجود تلك المحكمة وأولئك الشهود.
وبعد ذلك يوضح لنا ربنا بعدا آخر من أبعاد المسؤولية وهي مسؤولية الإنسان عن هداه وضلالته كمسؤوليته عن سعيه وعمله، إذ يقول تعالى
[١٥] (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) وكثيرا ما ترى أناسا يضلون، فيلقون اللوم على عاتق الآخرين كأن يقول: لم يكن هناك من يهديني، أو أن الحكومة ضللتني، أو أن البيئة الثقافية والتربوية لم تكن مساعدة لي على الهداية. كلا .. إن الله أعطى لكل إنسان قدرة الكشف والاهتداء، ووفر له فرصة الهداية، وإنما يتبع البشر هواه لأنه أسهل له واقرب إلى طبيعته الجاهلية العجولة.
ومثلما هو مسؤول عن ضلالته، فهو مسؤول عن أعماله، وحرام أن يلقي اللائمة على الآخرين.
[١] إرشاد القلوب: ج ١، ص ٤٠.
[٢] غرر الحكم: حكمة: ٣٠٢٧.