من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٩ - حديث المعراج
وَارْتَفَعَتْ حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَتَنَاوَلُنِي مِمَّا رَأَيْتُ، فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ قُلْ لَهُ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا، فَأَمَرَهَا فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي، فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ [١].
ثُمَّ مَضَيْتُ فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدِماً جَسِيماً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَإِذَا هُوَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ فَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبٌ وَ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ الله سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً
(كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)
(إِلَى آخِرِهَا))
المطففين: ٢١ ١٨).
قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَى أَبِي آدَمَ وَسَلَّمَ عَلَيَّ وَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ وَاسْتَغْفَرَ لِي، وَقَالَ: مَرْحَباً بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْمَبْعُوثِ فِي الزَّمَنِ الصَّالِحِ.
قال: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جَالِسٍ عَلَى مَجْلِسٍ وَإِذَا جَمِيعُ الدُّنْيَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَإِذَا بِيَدِهِ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ سَطْرٌ فِيهِ مَكْتُوبٌ فِيهِ كِتَابٌ يَنْظُرُ فِيهِ لَا يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَلَا شِمَالًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ الْحَزِينِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟. فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ دَائِبٌ فِي قَبْضِ الْأَرْوَاحِ، فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ أَدْنِنِي مِنْهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ، فَأَدْنَانِي مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ: هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى الْعِبَادِ، فَرَحَّبَ بِي وَحَيَّانِي بِالسَّلَامِ، وَقَالَ: أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنِّي أَرَى الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي أُمَّتِكَ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِله الْمَنَّانِ ذِي النِّعَمِ عَلَى عِبَادِهِ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ رَبِّي وَرَحْمَتِهِ عَلَيَّ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: هُوَ أَشَدُّ الْمَلَائِكَةِ عَمَلًا، فَقُلْتُ: أَكُلُّ مَنْ مَاتَ أَوْ هُوَ مَيِّتٌ فِيمَا بَعْدُ هَذَا يَقْبِضُ رُوحَهُ؟، فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَتَرَاهُمْ حَيْثُ كَانُوا وَتَشْهَدُهُمْ بِنَفْسِكَ؟، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: مَا الدُّنْيَا كُلُّهَا عِنْدِي فِيمَا سَخَّرَهَا اللهُ لِي وَمَكَّنَنِي عَلَيْهَا إِلَّا كَالدِّرْهَمِ فِي كَفِّ الرَّجُلِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَمَا مِنْ دَارٍ إِلَّا وَأَنَا أَتَصَفَّحُهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَأَقُولُ إِذَا بَكَى أَهْلُ الْمَيِّتِ عَلَى مَيِّتِهِمْ: لَا تَبْكُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَةً وَعَوْدَةً حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله: كَفَى بِالْمَوْتِ طَامَّةً يَا جَبْرَئِيلُ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: إِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَطَمُّ وَأَطَمُّ مِنَ الْمَوْتِ.
قَالَ: ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَوَائِدُ مِنْ لَحْمٍ طَيِّبٍ وَلَحْمٍ خَبِيثٍ يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ الْخَبِيثَ وَيَدَعُونَ الطَّيِّبَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ وَيَدَعُونَ الْحَلَالَ، وَهُمْ مِنْ أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله: ثُمَّ رَأَيْتُ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ جَعَلَ اللهُ أَمْرَهُ عَجَباً نِصْفُ جَسَدِهِ النَّارُ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ ثَلْجٌ فَلَا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَلَا الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ، وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ فَلَا تُذِيبُ الثَّلْجَ،
[١] ومن هذا الحديث يبدو أن جهنم ضمن إطار السماء الأولى وهي أقرب سماء إلينا، وقد تكون جهنم مثلا كرة ملتهبة من هذه الكرات الموجودة في إحدى هذه المجرات، أو شمس من الشموس العتيقة التي تحدث فيها انفجارات هائلة تتجاوز عظمتها ملايين المرات عما هي عليه القنابل النووية في الدنيا، أو يكون ما رآه سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه واله جانبا من جهنم والله العالم.