من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٢ - الرسول في السماوات
قَالَ: ثُمَّ صَعِدْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَمَا مَرَرْتُ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ احْتَجِمْ وَأْمُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ، وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ أَشْمَطُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَقُلْتُ: يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا الَّذِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي جِوَارِ الله؟ فَقَالَ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، وَهَذَا مَحَلُّكَ وَمَحَلُّ مَنِ اتَّقَى مِنْ أُمَّتِكَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: ٦٨].
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ وَالْمَبْعُوثِ فِي الزَّمَنِ الصَّالِحِ، وَإِذَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْخُشُوعِ مِثْلُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ فَبَشَّرُونِي بِالْخَيْرِ لِي وَلِأُمَّتِي [١]
. قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله: وَرَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بِحَاراً مِنْ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ تَلَأْلُؤُهَا يَخْطَفُ بِالْأَبْصَارِ، وَفِيهَا بِحَارٌ مُظْلِمَةٌ وَبِحَارٌ مِنْ ثَلْجٍ تَرْعُدُ، فَكُلَّمَا فَزِعْتُ وَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ سَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ وَاشْكُرْ كَرَامَةَ رَبِّكَ وَاشْكُرِ الله بِمَا صَنَعَ إِلَيْكَ، قَالَ فَثَبَّتَنِيَ اللهُ بِقُوَّتِهِ وَعَوْنِهِ حَتَّى كَثُرَ قَوْلِي لِجَبْرَئِيلَ وَتَعَجُّبِي، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ تُعَظِّمُ مَا تَرَى (هل تراه عظيماً)؟! إِنَّمَا هَذَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ الَّذِي خَلَقَ مَا تَرَى وَمَا لَا تَرَى أَعْظَمُ مِنْ هَذَا!.
إنَّ بَيْنَ الله وَبَيْنَ خَلْقِهِ تِسْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ، وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَى الله أَنَا وَإِسْرَافِيلُ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَرْبَعَةُ حُجُبٍ: حِجَابٌ مِنْ نُورٍ، وَحِجَابٌ مِنْ ظُلْمَةِ، وَحِجَابٌ مِنَ الْغَمَامِ، وَحِجَابٌ مِنَ الْمَاءِ.
قَالَ صلى الله عليه واله: وَ رَأَيْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي خَلَقَ اللهُ وَسَخَّرَ عَلَى مَا أَرَادَهُ دِيكاً رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ وَرَأْسُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَهُوَ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الله تَعَالَى خَلَقَهُ اللهُ كَمَا أَرَادَ رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَ مُصْعِداً حَتَّى خَرَجَ فِي الْهَوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَانْتَهَى فِيهَا مُصْعِداً حَتَّى انْتَهَى قَرْنُهُ إِلَى قُرْبِ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي حَيْثُ مَا كُنْتُ لَا تَدْرِي أَيْنَ رَبُّكَ مِنْ عِظَمِ شَأْنِهِ وَلَهُ جَنَاحَانِ فِي مَنْكِبَيْهِ إِذَا نَشَرَهُمَا جَاوَزَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَإِذَا كَانَ فِي السَّحَرِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ وَخَفَقَ بِهِمَا وَصَرَخَ بِالتَّسْبِيحِ يَقُولُ: سُبْحَانَ الله الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الله الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ سَبَّحَتْ دُيُوكُ الْأَرْضِ كُلُّهَا وَخَفَقَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَخَذَتْ فِي الصِّيَاحِ، فَإِذَا سَكَتَ ذَلِكَ الدِّيكُ فِي السَّمَاءِ سَكَتَتْ دُيُوكُ الْأَرْضِ كُلُّهَا، وَلِذَلِكَ الدِّيكِ زَغَبٌ أَخْضَرُ وَرِيشٌ أَبْيَضُ كَأَشَدِّ بَيَاضِ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَلَهُ زَغَبٌ أَخْضَرُ أَيْضاً تَحْتَ رِيشِهِ الْأَبْيَضِ كَأَشَدِّ خُضْرَةِ مَا رَأَيْتُهَا قَطُّ.
قَالَ صلى الله عليه واله
ثُمَّ مَضَيْتُ مَعَ جَبْرَئِيلَ فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فَصَلَّيْتُ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ وَمَعِي
[١] إننا نجد أن الأنبياء في حديثهم مع النبي محمد صلى الله عليه واله يقولون له: المبعوث في الزمن الصالح وهذا يدل على أن البشرية قد تكاملت عبر رسالات الله حتى بلغت مرحلة النضج في عهد رسول الله صلى الله عليه والهوالعهود التالية لعهده، وإنسان اليوم إنما يتقدم في مدارج الكمال بفضل رسالات الله.