من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٣ - الرسول في السماوات
أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ جُدَدٌ، وَآخَرِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خُلْقَانٌ، فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْجُدَدِ وَحُبِسَ أَصْحَابُ الْخُلْقَانِ [١]، ثُمَّ خَرَجْتُ فَانْقَادَ لِي نَهَرَانِ، نَهَرٌ يُسَمَّى الْكَوْثَرَ، وَنَهَرٌ يُسَمَّى الرَّحْمَةَ فَشَرِبْتُ مِنَ الْكَوْثَرِ وَاغْتَسَلْتُ مِنَ الرَّحْمَةِ [٢]، ثُمَّ انْقَادَا لِي جَمِيعاً حَتَّى دَخَلْتُ الْجَنَّةَ وَإِذَا عَلَى حَافَتَيْهَا بُيُوتِي وَبُيُوتُ أَهْلِي، وَإِذَا تُرَابُهَا كَالْمِسْكِ، وَإِذَا جَارِيَةٌ تَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ؟ فَقَالَتْ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ [٣]، فَبَشَّرْتُهُ بِهَا حِينَ أَصْبَحْتُ، وَإِذَا بِطَيْرِهَا كَالْبُخْتِ وَإِذَا رُمَّانُهَا مِثْلُ دُلِيِّ الْعِظَامِ، وَإِذَا شَجَرَةٌ لَوْ أُرْسِلَ طَائِرٌ فِي أَصْلِهَا مَا دَارَهَا سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلٌ إِلَّا وَفِيهَا قُتُرٌ مِنْهَا فَقُلْتُ مَا هَذِهِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَذِهِ شَجَرَةُ طُوبَى قَالَ اللهُ
(طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) [الرعد: ٢٩].
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله
فَلَمَّا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَسَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ عَنْ تِلْكَ الْبِحَارِ وَهَوْلِهَا وَأَعَاجِيبِهَا، فَقَالَ: هِيَ سُرَادِقَاتُ الْحُجُبِ الَّتِي احْتَجَبَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا وَلَوْ لَا تِلْكَ الْحُجُبُ لَتَهَتَّكَ نُورُ الْعَرْشِ وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ. وَانْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا الْوَرَقَةُ مِنْهَا تَظَلُّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ فَكُنْتُ مِنْهَا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى
(قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) [النجم: ٩].
فَنَادَانِي الله سبحانه وتعالى
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) [البقرة: ٢٨٦].
فَقُلْتُ: أَنَا مُجِيباً عَنِّي وَعَنْ أُمَّتِي
(وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
فَقَالَ اللهُ
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)
فَقُلْتُ
(رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)
فَقَالَ اللهُ: لَا أُؤَاخِذُكَ، فَقُلْتُ
(رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)
فَقَالَ اللهُ: لَا أَحْمِلُكَ، فَقُلْتُ
(رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: ٢٨٦].
فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: قَدْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ.
فَقَالَ الصَّادِقُ عليه السلام
(مَا وَفَدَ إِلَى الله تَعَالَى أَحَدٌ أَكْرَمُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله حَيْثُ سَأَلَ لِأُمَّتِهِ هَذِهِ الْخِصَالَ)[٤].
[١] والقرآن الحكيم يقول في سورة البقرة (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) فلباس التقوى خير لباس، وزاد التقوى خير زاد، وكلما كنت تقيًّا كان ثوبك في يوم القيامة أجد وآنئذ يمكنك أن تدخل مع رسول الله صلى الله عليه واله إلى البيت المعمور فتصل فيه.
[٢] يعني استوعب رسول الله صلى الله عليه واله الخير الكثير ولفته الرحمة.
[٣] الذي تبناه رسول الله صلى الله عليه واله وهو والد أسامة وقد استشهد في معركة مؤتة، التي استشهد فيها عبد الله بن رواحة وجعفر الطيار.
[٤] وتلك هي الآيات الأخيرة من سورة البقرة، وقد جاء ذلك في مضمون حديث عن رسول الله صلى الله عليه واله حيث قال»: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعٌ: الْخَطَاءُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ «... بحارالأنوار: ج ٧٤، ص ١٥٥.