روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - الشهيد الثاني - الصفحة ٥٧ - (المقصد الثالث في الاستقبال)
علامةً عند طلوعه في البلد المرتفع والخالي عن موانع الرؤية عند الطلوع يستلزم تشريقاً في القبلة عن البلد التي يتأخّر طلوعه فيها يسيراً ، فلا يتّفق الخطّان الخارجان من نظر المستقبل ، ويأتي المحذور المذكور.
ولو قيل : المراد بطلوعه عن الأُفق الحقيقي ، وهو شيء واحد ، ويقدّر ذلك القدر في باقي الإقليم ، منعنا ذلك بما سيأتي إن شاء الله من أنّ سهيلاً عند طلوعه على الأُفق الحقيقي يطلع مشرقاً عن قبلة الشامي بما يزيد عن عشرين درجة ، وإنّما المراد بطلوعه بروزه لأبصارهم في أرضٍ معتدلة عرفاً من تلك البلاد ، ولا يضرّ التفاوت اليسير في جنب اعتبار الجهة ، كما لا يضرّ اختلاف وضع الجدي على محالّ الكتف مع صدق أصل الكيفيّة ، وسيأتي في بيان العلامات ما يدلّك على عدم تأثير هذه الاختلافات.
وقال في الشرح : جهة القبلة هي المقدار الذي شأن البعيد أن يجوّز على كلّ بعض منه أن يكون هو الكعبة بحيث يقطع بعدم خروجها عن مجموعة [١].
وهذا التعريف أجود من جميع ما سلف ، لكن ينتقض في طرده بفاقد العلامات أصلاً ، فإنّه يجوّز على كلّ جزء من جميع الجهات أنّه الكعبة ، فيلزم اكتفاؤه بصلاةٍ واحدة إلى أيّ جهة شاء. وكذا مَنْ قطع بنفي جهة أو جهتين وشكّ في الباقي ، فإنّه يصدق عليه التعريف ، ولا شيء من ذلك يطلق عليه أنّه جهة القبلة.
فالأسدّ حينئذٍ أن يزاد في التعريف كون التجويز لأمارة يجوز التعويل عليها شرعاً ، فيخرج منه ما ذكر ، ويدخل فيه المعتبر بالعلامات المذكورة في كتب الفقه وغيرها ممّا يجوز الاستناد إليه شرعاً ، فإنّ هذه العلامات المذكورة قليل من كثير ، فإنّ النصّ عن أئمّة الهدى «إنّما ورد ببعض علامات العراقي ، والباقي أُخذت من علم الهيئة ، كما نبّه عليه في الذكرى [٢].
ويرد عليه أيضاً : الصلاة [٣] بعيداً عن محراب المعصوم كمحراب النبيّ بأزيد من سعة الكعبة ، فإنّه [٤] لا يجوّز على ذلك السمت أنّ فيه الكعبة ؛ لما روي أنّهُ لمّا أراد
[١] جامع المقاصد ٢ : ٤٩.
[٢] الذكرى ٣ : ١٦٢.
[٣] الظاهر : المصلّي.
[٤] أي فإنّ المصلّي.