الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٧ - باب ابتلاء الخلق و اختبارهم بالكعبة
أجمعين و لكن اللَّه جل ثناؤه جعل رسله أولي قوة في عزائم نياتهم و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم من قناعة يملأ القلوب و العيون غناه و خصاصة يملأ الأسماع و الأبصار أذاه- و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام و عزة لا تضام و ملك يمد نحوه أعناق الرجال و يشد إليه عقد الرحال لكان أهون على الخلق في الاختبار و أبعد لهم من الاستكبار و لآمنوا من رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة و الحسنات مقتسمة و لكن اللَّه أراد أن يكون الاتباع لرسله- و التصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام إليه أمورا له خاصة لا يشوبها من غيرها شائبة و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم- كانت المثوبة و الجزاء أجزل أ لا ترون أن اللَّه جل ثناؤه اختبر الأولين من لدن آدم إلى آخرين من هذا العالم بأحجار ما تضر و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم جعله [وضعه] بأوعر بقاع الأرض حجرا و أقل نتائق الدنيا مدرا و أضيق بطون الأودية معاشا و أغلظ محال المسلمين مياها بين جبال خشنة و رمال دمثة و عيون وشلة و قرى منقطعة و أثر من مواضع قطر السماء داثر ليس يزكو به خف و لا ظلف و لا حافر- ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع أسفارهم و غاية لملقى رحالهم تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار متصلة و جزائر بحار منقطعة و مهاوي فجاج عميقة حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهللون اللَّه حوله- و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا القنع و السراويل وراء ظهورهم و حسروا بالشعور حلقا عن رءوسهم ابتلاء عظيما و اختبارا كثيرا و امتحانا شديدا و تمحيصا بليغا و قنوتا مبينا جعله اللَّه سببا لرحمته و وصلة و وسيلة إلى جنته و علة لمغفرته و ابتلاء للخلق برحمته