حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٩٢
كقوله و نكرم جارنا مادام فينا، و نتبعه) من الأتباع أى نرسل (الكرامة) على أثره (حيث مالا) أى سار و هذا ممكن عقلا لا عادة بل فى زماننا يكاد يلحق بالممتنع عقلا إذ كل ممكن عادة ممكن عقلا (و هما) أى التبليغ و الإغراق (مقبولان و إلا) ...
يستحيل بالعادة تسمى إغراقا؛ لأن الوصف بلغ إلى حد الاستغراق، حيث خرج عن المعتاد فناسب معناه اللغوى المتقدم (قوله: كقوله) أى: الشاعر و هو عمرو بن الأيهم التغلبى (قوله: مادام فينا) أى: مادام مقيما فينا أى معنا و فى مكاننا (قوله: حيث مالا) أى: حيث رحل عنا و سكن مع غيرنا، و اتباع الكرامة له إرسالها إليه و بعثها فى إثره، فقد ادعى الشاعر أنهم يكرمون الجار فى حالة كونه مقيما عندهم و فى حالة كونه مع غيرهم و ارتحاله عنهم، فالوصف المبالغ فيه كرمهم و لا شك أن إكرام الجار فى حالة كونه مع الغير و ارتحاله عنهم محال عادة، حتى إنه يكاد أن يلتحق بالمحال عقلا فى هذا الزمان، لانطباع النفوس على الشح و عدم مراعاة غير المكافأة.
و اعلم أن هذا البيت إنما يصلح مثالا للإغراق إذا حمل قوله و نتبعه الكرامة، حيث مال على أن المراد إرسال الإحسان إليه الدافع لحاجته و حاجة عياله بعد ارتحاله عنهم و كونه مع الغير، و أما إن حمل على أن المراد إعطاء الجار الزاد عند ارتحاله و سفره إلى أى جهة فلا يصلح مثالا، لأن هذا لا يستحيل عادة إذ هذا شائع عند الأسخياء و أصحاب المروآت.
(قوله: و هما مقبولان) أى: لعدم ظهور الكذب فيهما الموجب للرد، و اعلم أن ما ذكره من المقبول و المردود إنما هو بالنظر إلى البديع و اعتبارات الشعر، و أما بالنظر للبيان فالكل مقبول، لأنها ليست جارية على معانيها الحقيقية بل كنايات أو مجازات بالنظر للمواد و الأمثلة فقوله تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ مجاز مركب عن كثرة صفائه و نوره، و قوله: عقدت سنابكها البيت مجاز عن كثرة الغبار فوق رؤس الجياد،