حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٤
(و) الثانى (نحو قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ [١] و من الطباق) ما سماه بعضهم تدبيجا؛ من دبج المطر الأرض؛ إذا زينها؛ و فسره بأن يذكر فى معنى من المدح، أو غيره ألوان لقصد الكناية، أو التورية، ...
المحرمة لا باطنا و هى كونها مزرعة للآخرة. و الشاهد فى قوله: لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظاهِراً [٢] فإن العلم الأول منفى و الثانى مثبت، و بين النفى و الإثبات تقابل فى الجملة أى باعتبار أصلهما لا باعتبار الحالة الراهنة؛ لأن المنفى علم ينفع فى الآخرة و المثبت علم لا ينفع فيها و لا تنافى بينهما.
(قوله: و الثانى) و هو أن يكون أحدهما أمرا و الآخر نهيا (قوله: نحو قوله تعالى) أى و نحو اضرب زيدا و لا تضرب عمرا (قوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ) من المعلوم أن الخشية لا يؤمر بها و ينهى عنها من جهة واحدة بل من جهتين كما فى الآية، فقد أمر بها باعتبار كونها للّه و نهى باعتبار كونها للناس، فالتنافى بين الأمر و النهى إنما هو باعتبار أصلهما لا باعتبار مادة استعمالهما فتأمل.
(قوله: و من الطباق ما سماه بعضهم تدبيجا) إنما جعله من أقسام الطباق و لم يجعله وجها مستقلا برأسه من أوجه المعنوى لدخوله فى تعريف الطباق، لما بين اللونين أو الألوان من التقابل (قوله: من دبج المطر الأرض إذا زينها) أى بألوان النبات، فذكر الألوان فى الكلام تشبيه بما يحدث بالمطر من ألوان النبات، أو أنه مأخوذ من الدبج و هو النقش؛ لأن ذكر الألوان كالنقش على البساط (قوله: و فسره) أى و فسر ذلك البعض التدبيج (قوله: أو غيره) كالهجاء و الرثاء و الغزل (قوله: لقصد الكناية أو التورية) أى:
بالكلام المشتمل على تلك الألوان، و أو مانعة خلو فتجوز الجمع كما فى مثال الحريرى الآتى، و احترز بقوله لقصد الكناية أو التورية عن ذكر الألوان لقصد الحقيقة، فلا تكون من المحسنات؛ لأن الحقيقة يقصد منها إفادة المعنى الأصلى، و عن ذكرها لقصد المجاز كأن يذكر ألوانا و ينصب قرينة تمنع من إرادتها بحيث لم يتحقق الجمع بين الألوان إلا فى
[١] المائدة: ٤٤.
[٢] الروم: ٧، ٦.