حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٥٠
كقوله [١]: قف بالديار الّتى لم يعفها القدم) أى: لم يبلها تطاول الزمان و تقادم العهد، ثم عاد إلى ذلك الكلام و نقضه بقوله: (بلى و غيرها الأرواح و الديم) أى: الرياح و الأمطار. و النكتة: إظهار التحير و التوله؛ كأنه أخبر أولا بما لا تحقق له، ثم أفاق بعض الإفاقة فنقض الكلام السابق قائلا: بلى عفاها القدم و غيرها الأرواح و الديم.
(قوله: كقوله) أى: الشاعر و هو زهير بن أبى سلمى بضم السين و سكون اللام و فتح الميم. (قوله: أى لم يبلها تطاول الزمان) من الإبلاء و هو التغيير، و أشار بقوله تطاول الزمان إلى أن المراد بالقدم فى البيت القدم الزمانى. (قوله: و تقادم العهد) أى:
عهد أربابها، و هذا تفسير لما قبله و المعنى قف بالديار التى لم يغير آثارها قدم عهد أربابها لقرب وقت انتقالهم منها، و هذا مرغوب للشاعر لأن قرب الأثر بما يستنشق منه رائحة المحبوب و يقرب له وقت الوصال. (قوله: بلى) أى: عفاها القدم لأن نفى النفى إثبات، فقوله: و غيرها الأرواح عطف على المحذوف الذى دل عليه بلى. (قوله: و غيرها الأرواح) أى: و غير آثارها الرياح فالأرواح جمع ريح؛ لأن أصلها الواو و إنما جاءت الياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك أروح الماء و تروحت بالمروحة. (قوله: و الديم) أى: و غير آثارها الديم جمع ديمة، و هى السحابة ذات المطر الكثير سميت بذلك لدوامها غالبا.
(قوله: فنقض الكلام السابق) أى: لأجل إظهار تحسره و تحزنه على فوات ما كان راغبا فيه أو لأجل إظهار التحسر و التوله كما قال الشارح. (قوله: بلى عفاها القدم إلخ) أشار بهذا لما قلنا من أن قوله و غيرها فى البيت عطف على محذوف، أى بلى عفاها القدم و غيرها .. إلخ، فلا حاجة للقول بأن الواو فى قوله و غيرها زائدة، و عطف تغيير الأرواح و الديم على عفو القدم من عطف المفصل على المجمل؛ لأن عفو القدم إنما يكون غالبا بتغير الأرواح و الديم، و مثال العود لنقض الكلام السابق بلا، قوله:
فأفّ لهذا الدّهر لا بل لأهله [٢]
[١] البيت لزهير بن أبى سلمى و هو مطلع قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان- و انظر ديوانه (ص ٧٨).
[٢] و هو لزيد بن الطثرية، فى الإيضاح ص ٣١١.