حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٤٠
فإن قيل: المراد لقد يكون الزمان بخيلا بهلاكه أى لا يسمح بهلاكه قط لعلمه بأنه سبب لصلاح العالم و الزمان و إن سخا بوجوده و بذله للغير لكن إعدامه و إفناءه باق بعد فى تصرفه، قلنا: هذا تقدير لا قرينة عليه و بعد صحته فمصراع أبى تمام أجود لاستغنائه عن مثل هذا التكلف.
و المناسب صيغة الماضى بأن يقال: و لقد كان به الزمان بخيلا كما دلت عليه الجملة الاسمية من الأول؛ لأن أصلها الدلالة على الوقوع مع زيادة إفادتها الدوام و الثبوت الشامل للمضى، و أيضا المراد أن الزمان كان بخيلا به حتى أعداه بسخائه فلا تناسب المضارعة، إذ لا معنى لكونه جاد به الزمان و هو بخيل به فى المستقبل؛ لأنه بعد الجود به خرج عن تصرفه فيه، إن قلت: المعنى و إن كان على المضى إلا أنه عدل للمستقبل قصدا للاستمرار أو لحكاية الحال الماضية كما تقرّ فى أمثاله، قلت: لما لم يحصل بخل الزمان بعد إعداء سخائه إياه لم يحسن حمل المضارع على الاستمرار و لا على حكاية الحال الماضية.
ا ه فنرى.
(قوله: فإن قيل) أى: فى الجواب عن كون بيت أبى الطيب دون بيت أبى تمام، و حاصله أنا لا نسلم أن بيت أبى الطيب دون بيت أبى تمام؛ لأن كلام أبى الطيب على حذف مضاف أى: و لقد يكون بهلاكه الزمان بخيلا و هلاكه استقبالى، و حينئذ فالتعبير بالمضارع واقع فى موقعه (قوله: و الزمان و إن سخا بوجوده إلخ) جواب عما يقال: إن السخاء بالشىء هو بذله للغير و الزمان إذا سخا به فقد بذله فلم يبق فى تصرفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل، و حاصل الجواب أنا نسلم أن إيجاده لم يبق فى تصرفه بعد السخاء به لما فيه من تحصيل الحاصل، و أما إفناؤه فهو باق بعد فى تصرفه فله أن يسمح بهلاكه و أن يبخل به فنفى الشاعر ذلك (قوله: باق بعد) أى بعد وجوده فى تصرفه أى:
فله أن يسمح بهلاكه و أن يبخل به فنفى الشاعر ذلك، و الحاصل أن إيجاده و إعدامه كانا بيد الزمان فسخا بإيجاده و لم يسخ بإعدامه قط لكونه سببا لصلاح الدنيا (قوله: قلنا هذا) أى: تقدير المضاف المذكور (قوله: لا قرينة عليه) أى: فلا يصح و بعد صحته إلخ (قوله: لاستغنائه عن مثل هذا التكلف) فعلى تقدير التصحيح بما ذكر لا يخرج به عن