حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٩٦
بعد حمد اللّه أما بعد) فإنه كان و كذا و كذا فهو اقتضاب من جهة الانتقال من الحمد و الثناء إلى كلام آخر من غير ملاءمة لكنه يشبه التخلص من حيث لم يؤت بالكلام الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط و تعليق ما قبله ...
التخلص) أى: اقتضاب أو انتقال يشبه التخلص الاصطلاحى فى كونه يخالطه شىء من المناسبة، و لم يجعل هذا القسم تخلصا قريبا من الاقتضاب لعدم المناسبة الذاتية فيه بين الابتداء و المقصود و التخلص مبناه على ذلك (قوله: بعد حمد اللّه) أى: بعد أن حمدت اللّه و صلّيت على رسوله (قوله: أما بعد) هذا مقول القول، و قوله بعد حمد اللّه حال مقيدة أى: كقولك: أما بعد حالة كونها واقعة بعد أن حمدت اللّه.
(قوله: فإنه كان كذا و كذا) أشار بذلك إلى أن المراد أما بعد مع جملتها التى هى فيها و به يندفع ما يقال: إن السياق فى أقسام الكلام التى ينبغى للمتكلم أن يتأنق فيها، و أما بعد ليست كلاما (قوله: فهو اقتضاب) أى: فالانتقال المحتوى على أما بعد اقتضاب (قوله: من جهة الانتقال من الحمد و الثناء) أى: على اللّه و رسوله (و قوله إلى كلام آخر) أى: كالسبب الحامل على تأليف الكتاب مثلا (قوله: فجأة) أى: بغتة، (و قوله: من غير قصد إلخ) بيان للفجأة (و قوله: و تعليق) تفسير لما قبله (قوله: من غير قصد إلخ) تفسير لقوله فجأة (قوله: بل قصد نوع من الربط) أى: من حيث الإتيان بأما بعد؛ لأنها بمعنى مهما يكن من شىء بعد الحمد و الثناء، فالأمر كذا و كذا، و تحقيق ذلك أن حسن التخلص فيه القصد إلى إيجاد الربط بالمناسبة على وجه لا يقال فيه: إن هنا كلامين منفصلين مستقلين أتى بأحدهما و هو الثانى بغتة و الاقتضاب فيه القصد إلى الإتيان بكلام بعد آخر على وجه يقال فيه: إن الأول منفصل عن الثانى و لا ربط بينهما، و أما بعد لما كان معناه مهما يكن من شىء بعد الحمد و الثناء، فالأمر كذا و كذا أفاد أن كون الأمر كذا مربوط بوجود شىء بعد الحمد و الثناء على وجه اللزوم، و لما أفادت ما ذكر ارتبط ما بعدها بما قبلها لإفادتها الوقوع بعده و لا بدّ فلم يؤت بما بعدها على وجه يقال فيه إنه لم يرتبط بما قبله، بل هو مرتبط به من حيث التعلق فأشبه بهذا الوجه حسن التخلص، و لما كان ما بعدها شىء آخر لا ربط فيه بالمناسبة كان فى الحقيقة