حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٧٩
إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة (و هو) أى التجريد (أقسام منها) ما يكون بمن التجريدية (نحو قولهم: لى من فلان صديق حميم)
الصفة فى ذلك المنتزع منه، و إنما قلنا لادعاء الكمال أن للإشارة إلى إظهار المبالغة بالانتزاع لا يشترط فيه كون الصفة كاملة فى ذلك الأمر بحسب نفس الأمر، بل ادعاء كمالها فيه كاف سواء طابق الواقع أم لا، و وجه دلالة الانتزاع على المبالغة المبنية على ادعاء الكمال ما تقرر فى العقول من أن الأصل و المنشأ لما هو مثله يكون فى غاية القوة حتى صار يفيض بمثالاته، فإذا أخذ موصوف بصفة من موصوف آخر بما فهم أنك بالغت فى وصفه حتى صيرته فى منزلة، هى أن من كانت فيه تلك الصفة صار متصفا بتفريع أمثاله عنه، فهى فيه كأنها تفيض بمثالاتها لقوتها كما تفيض الأشعة عن شعاع الشمس و كما يفيض الماء عن ماء البحر، و إلى هذا يشير قول الشارح حتى كأنه أى:
الأمر المنتزع منه بلغ إلخ (قوله: إلى حيث) أى: إلى مرتبة يصح إلخ (قوله: و هو أقسام) أى: سبعة لأن الانتزاع إما أن يكون بحرف أو بدونه و الحرف إما من أو الباء أو فى و الباء إما داخلة على المنتزع منه أو على المنتزع و ما يكون بدون حرف إما أن يكون لا على وجه الكناية أو يكون على وجهها ثم هو إما انتزاع من غير المتكلم أو انتزاع من المتكلم نفسه، فهذه أقسام سبعة أشار المصنف إليها و لأمثلتها فيما يأتى.
(قوله: بمن التجريدية) جعل بعضهم التجريد معنى برأسه لكلمة من و الأصح أنها ابتدائية كما أن باء التجريد باء المصاحبة- قاله عبد الحكيم، و تدخل من على المنتزع منه و لم يوجد دخولها على المنتزع بخلاف الباء- كذا فى الأطول. قال العلامة اليعقوبى: و المناسب لمن حيث دخلت على المنتزع منه أن تكون للابتداء لأن المنتزع مبتدأ و ناشئ من المنتزع منه الذى هو مدخول من، و أما جعلها للبيان فلا يفيد المبالغة لأن بيان شىء بشىء لا يدل على كمال المبين فى الوصف، بخلاف جعل شىء مبدأ و منشأ لذى وصف فإنه يدل على كمال ذلك الشىء باعتبار ذلك الوصف، فإذا قيل:
لى من فلان صديق حميم فكأنه قيل: خرج لى من فلان و أتانى منه صديق آخر، و لا شك أن هذا يفيد المبالغة فى وصف فلان بالصداقة (قوله: لى من فلان صديق حميم) أى لى صديق