حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٧٣
أو هذه العبارة كناية عن التأبيد، و نفى الانقطاع (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) أى:
إلا وقت مشيئة اللّه تعالى (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) من تخليد البعض كالكفار، و إخراج البعض كالفساق (وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أى:
غير مقطوع، بل ممتد لا إلى نهاية.
(قوله: أو هذه العبارة كناية إلخ) أى: أن المراد سموات الدنيا و أرضها و لا ينافى التأبيد بها فناؤها قبل الدخول فضلا عن الخلود؛ لأن الكلام من باب الكناية و ذلك لأن مدة دوام سموات الدنيا و أرضها من لوازمها الطول، و المراد طول لا نهاية له على ما جرى به استعمال اللغة فى مثل ذلك، فكأنه قيل خالدين فيها خلودا طويلا لا نهاية له، فهو مثل قول العرب لا أفعل كذا ما أقام ثبير و ما لاح كوكب (قوله: و نفى الانقطاع) عطف تفسير (قوله: أى إلا وقت مشيئة اللّه تعالى) أى عدم الخلود، ثم يحتمل أن الشارح حمل ما على أنها مصدرية ظرفية فيكون الوقت داخلا فى معناها لأنها نائبة عنه، و يحتمل أنه حملها على مجرد المصدرية فيكون الكلام على حذف المضاف فالوقت مقدر فى الكلام (قوله: من تخليد البعض) بيان لما (قوله: كالكفار) الكاف فيه استقصائية و كذا يقال فى قوله كالفساق.
(قوله: وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا أى بالإيمان و إن شقوا بسبب المعاصى، لا يقال فعلى هذا كيف يكون قوله فمنهم شقى و سعيد تقسيما صحيحا؟ مع أن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منفية عن تقسيمه؛ لأن ذلك الشرط من حيث التقسيم للانفصال الحقيقى أو مانع الجمع، و هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين و أن حالهم لا يخلو عن السعادة و الشقاوة، و ذلك لا يمنع اجتماع الأمرين فى شخص باعتبارين فتكون ما فى قوله وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا لمنع الخلود فتجوز الجمع (قوله: عطاء) مصدر مؤكد أى: أعطوا عطاء و الجملة حالية.
حاشية الدسوقي على مختصر المعاني، ج٤، ص: ٧٤
و معنى الاستثناء فى الأول: أن بعض الأشقياء لا يخلدون فى النار؛ كالعصاة من المؤمنين الذين شقوا بالعصيان، و فى الثانى: أن بعض السعداء لا يخلدون فى الجنة، بل يفارقونها ابتداء؛ يعنى: أيام عذابهم؛ كالفساق من المؤمنين الذين سعدوا بالإيمان. و التأبيد من مبدأ معين كما ينتقض باعتبار الانتهاء؛ فكذلك ينتقض باعتبار الابتداء، ...
(قوله: و معنى الاستثناء إلخ) جواب عما يقال ما معنى الاستثناء فى قوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ مع أن أهل الجنة لا يخرجون منها أصلا و كذا أهل النار لا يخرجون منها و الاستثناء يفيد خروجهم؛ لأن معنى الآية أن كل أهل النار خالدون فيها فى كل وقت إلا الوقت الذى شاء اللّه عدم الخلود فيه، و كذا يقال فى أهل الجنة، و لا شك أن هذا يفيد أن هناك وقتا لا يخلد أحد فيه فيكون أهل كل دار خارجين منها فى ذلك الوقت.
و حاصل الجواب أنه استثنى الفساق من المخلدين فى النار باعتبار الانتهاء، و من المخلدين فى الجنة باعتبار الابتداء؛ لأنهم لم يدخلوها مع السابقين فالخلود فى حقهم ناقص باعتبار المبدأ، فظهر أن ماصدق الاستثناء فى الاستثناءين واحد. (قوله: أن بعض الأشقياء لا يخلدون) كالعصاة من المؤمنين الذين شقوا بالعصيان، أى: و هذا كاف فى صحة الاستثناء لأن صرف الحكم عن الكل فى وقت ما يكفى فيه صرفه عن البعض، فصرف الخلود فى النار عن كل واحد من أهلها يكفى فيه صرفه عن البعض و هم فساق المؤمنين الذين لا يخلدون فيها (قوله: و التأبيد إلخ) أى: و الإقامة فى المكان أبدا. (و قوله: من مبدأ معين) أى: كالإذن لأهله فى الدخول فيه. و قوله: (كما ينتقض باعتبار الانتهاء) أى:
كما فى الاستثناء الأول و قوله (فكذلك باعتبار) أى: فكذلك ينتقض باعتبار الابتداء أى كما فى الاستثناء الثانى و ذلك لعدم حصول التأبيد من ذلك الوقت المعين، ثم إن كلام الشارح هذا يقتضى أن الاستثناء الثانى من الخلود كالأول و أن المعنى: فأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها فى جميع الأوقات إلا الوقت الذى شاء ربك عدم خلودهم فيه، لمنعه بعض الناس من دخولها حين الإذن لأهلها بالدخول، و الحاصل أن الاستثناء فى الموضعين من الخلود باعتبار ما تضمنه من الأوقات؛ لأنه يتضمن أوقاتا لا