حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٩
بما يناسب ابتداءه فى المعنى نحو: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [١]) فإن اللَّطِيفُ يناسب كونه غير مدرك بالأبصار، ...
فقد ناسب فيه بين الصحة و القوة و السماع و الخبر المأثور و الأحاديث و الرواية، و كذا ناسب بين السيل و الحيا أى: المطر و البحر و كف تميم مع ما فى البيت الثانى من صحة الترتيب فى العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع فى سند الأحاديث، فإن السيول أصلها المطر و المطر أصله البحر على ما يقال، و البحر أصله كف الممدوح على ما ادعاه الشاعر- ا. ه أطول.
(قوله: بما يناسب ابتداءه فى المعنى) أى: لكون ما ختم به الكلام كالعلة لما بدئ به أو العكس أو كالدليل عليه أو نحو ذلك و إنما كان تشابه الأطراف نوعا خاصّا من مراعاة النظير؛ لأنها الجمع بين متناسبين مطلقا، سواء كان أحدهما فى الختم و الآخر فى الابتداء كما فى تشابه الأطراف أو كانا معا فى الابتداء كما تقدم فى المثال، أو فى الاختتام، أو فى التوسط، بخلاف تشابه الأطراف، فإنه قاصر على الجمع بين متناسبين أحدهما فى الابتداء و الآخر فى الانتهاء. قال الفنرى: و لو قال بدل قوله: بما يناسب ابتداءه بما يناسب ما قبله كان أولى؛ لأن قوله: لا تدركه الأبصار الذى يناسبه اللطيف، و إن كان ابتداء الكلام لكونه رأس الآية، لكن قوله: و هو يدرك الأبصار الذى يناسبه الخبير ليس ابتداء الكلام- انتهى.
و أجاب بعضهم بأن المراد بالكلام هنا ما يقصد من التراكيب المفيدة سواء كان جملة واحدة أو أكثر، و المراد بأوله ما ليس بآخر، و حينئذ فيصدق على قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أنه كلام و على قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أنه أول و على قوله: وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أنه آخر- تأمل.
(قوله: فإن اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالأبصار) أى: باعتبار المتبادر منه و هو الدقة لأخذه من لطف ككرم إذا دق ورق، و معلوم أن الشىء كلما لطف و دق
[١] الأنعام: ١٠٣.