حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢٤
إلا بين الاتقاء و الاستغناء؛ فبّينه بقوله: (و المراد ب (استغنى) أنه زهد فيما عند اللّه تعالى كأنه استغنى عنه) أى: عما عند اللّه تعالى (فلم يتق أو) المراد باستغنى:
(استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يتق) ...
مجموع تيسره لليسرى و مجموع تيسره للعسرى لا بين الجزأين الأولين منهما لاتحادهما و عدم المقابلة بينهما و لا بين المجرورين فى الجزأين لما نقل فى الإيضاح إنها إنما تكون بين المستقلين و المجرور هنا لا يستقل فلا تقع به المقابلة و المراد بالمستقل ما لا يكون تماما لغيره كأن يكون الحرف صلة لغيره (قوله: إلا بين الاتقاء و الاستغناء) أى: فإن التقابل بينهما فيه خفاء؛ و ذلك لأن الاستغناء إن فسر بكثرة المال أو بعدم طلب الدنيا للقناعة فلا يكون مقابلا للتقوى، و إن فسر بشىء آخر غير ما ذكر كان محتاجا لبيانه لأجل أن تتضح مقابلته لا نفى، فلذا قال المصنف و المراد (قوله: أنه زهد فيما عند اللّه) أى: من الثواب الأخروى، و ليس المراد به كثرة المال. يقال: زهد فى الشىء و عن الشىء رغب عنه و لم يرده، و من فرق بين زهد فى الشىء و عن الشىء فقد أخطأ كما فى المغرب (قوله: كأنه استغنى عنه) أى: فصار بترك طلبه كأنه استغنى عنه أى: لا يحتاج إليه مع شدة حاجته إليه؛ و ذلك لأن العاقل لا يترك طلب شىء إلا إذا كان مستغنيا عنه فعبر بالاستغناء عن ترك طلب ما عند اللّه تعالى على وجه الترفع عنه إنكارا له و ترك طلبه كذلك كفر، و إذا كان كافرا فلم يتق الكفر (قوله: أو استغنى بشهوات الدنيا) أى: أو المراد باستغنى أنه استغنى بشهوات الدنيا المحرمة عن طلب نعيم الجنة، إما لإنكاره إياه فيكون كافرا فلم يتق الكفر فيعود إلى الوجه الأول، و إما أن يكون ذلك سفها و شغلا باللذة المحرمة عن ذلك النعيم فلم يتق المحرمات، و إنما قيدنا الشهوات بالمحرمة؛ لأن كل من لم يرتكب المحرمة أصلا لا يخلو شرعا و عادة من طلب النعيم الأخروى، و إنما المستلزم لعدم التقوى هو الاستغناء باللذات المحرمة فعدم الاتقاء ليس هو نفس الاستغناء بالشهوات، بل الاستغناء ملزومه؛ لأنه فسر الاستغناء بالشغل بمحرم و الشغل بالمحرم يستلزم نفى التقوى التى هى الطاعة بخلاف تفسيره بالزهد فيما عند اللّه بمعنى الكفر بما عنده تعالى فهو أظهر فى الدلالة.