حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٢١٩
بخفاء الدلالات و ركاكة المعنى فيصير كغمد من ذهب على سيف من خشب بل الوجه أن تترك المعانى على سجيتها فتطلب لأنفسها ألفاظا تليق بها، و عند هذا تظهر البلاغة و البراعة و يتميز الكامل من القاصر.
و حين رتب الحريرى- مع كمال فضله- فى ديوان الإنشاء ...
أى: قصد فيها إلى الصناعة و تحصيل المحسنات اللفظية، و حاصل ذلك أنه إذا كان المحسن اللفظى أو البديعى مطلقا هو المقصود بالذات كانت الألفاظ متكلفا فيها مطلوبة و يتحقق فى ضمن ذلك الإخلال بما يطلب للمعانى من الاعتبارات المناسبة لمقتضى الحال، فتكون تلك المطالب غير مرعية فى تلك المعانى، إذ المقصود بالذات الألفاظ البديعية و إيجادها لا الحسن المعنوى، فربما لم تخل الألفاظ حينئذ من خفاء الدلالة حيث تكون كناية أو مجازا، و من ركاكة حيث تكون حقيقة بألا يراعى فيها الاعتبار المناسب، فتكون الألفاظ البديعية فى تلك المعانى: كغمد من ذهب ركب على سيف من خشب، أو كثياب فاخرة على ذات مشوهة، و أما إذا كان المقصود بالذات إفادة المعنى كانت الألفاظ غير متكلفة، بل تأتى بها المعانى حيث تركت على سجيتها التى تنبغى لها من المطابقة لمقتضى الحال؛ لأن ما بالذات لا تكلف فيه و إذا لم يتكلف جاء الكلام باشتماله على ما يقتضيه الحال حسنا حسنا ذاتيّا فإذا جاء حسن زائد على الذاتى و هو البديعى صار ذلك الحسن البديعى تابعا للذاتى فيزداد الحسن الذاتى بالحسن البديعى (قوله: بخفاء الدلالات) أى: إذا كانت الألفاظ مجازات أو كنايات (و قوله: و ركاكة المعنى) أى: إذا كانت الألفاظ حقائق (قوله:
فيصير) أى: اللفظ و فى نسخة فتصير بالتاء الفوقية أى: الألفاظ البديعية (قوله: بل الوجه) أى: الطريق (و قوله: أن تترك المعانى) أى: الواقعة و الحاضرة عنده (قوله: ألفاظا تليق بها) أى: من حيث اشتمالها على مقتضى الحال (قوله: و عند هذا) أى عند الإتيان بالألفاظ التى تليق بالمعانى (قوله: و البراعة) مرادف لما قبله (و قوله: الكامل) أى: فى البلاغة (و قوله: من القاصر) أى: فيها؛ و ذلك لأن مقتضيات الأحوال التى يشتمل الكلام عليها لا تنضبط لكثرتها، و كلّما كثرت رعايتها ازداد الكلام بلاغة (قوله: فى ديوان الإنشاء) أى: حين رتب كاتبا عند الملك يكتب المراسلات للملوك و الوزراء و العلماء.