حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٨
يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق؛ مثل السببية و اللزوم (نحو: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [١] فإن الرحمة و إن لم تكن مقابلة للشدة ...
الحريرى قد جمع بين ألوان من الاغبرار و الاخضرار و الاصفرار و الاسوداد و الابيضاض و الزرقة و الحمرة و كل تلك الألوان فى كلامه كناية إلا الاصفرار فإن فيه التورية، فقد علم من ذلك أن جمع الألوان لا يجب أن يكون على أنها كلها كنايات أو توريات بل يجوز أن تجمع على أن بعضها تورية و بعضها كناية، و قد توهم بعضهم وجوب ذلك و هو فاسد.
(قوله: يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر) أى: و الحال أنه ليس بين هذين المعنيين اللذين تعلق أحدهما بما يقابل الآخر تناف بل يجتمعان، كالرحمة و الشدة فإن الرحمة تكون شديدة و بهذا يمتاز عن الطباق، و ما قيل إنه إذا كان أحدهما لازما لمقابل الآخر يتحقق بينهما التنافى فى الجملة لأن منافى الملزوم مناف للازمه، و حينئذ فهو طباق لا ملحق به مدفوع؛ لأن اللازم قد يكون أعم و حينئذ فمنافى الملزوم لا يجب أن يكون منافيا للازم، و الحاصل أن الشىء الأول من الشيئين الملحقين بالطباق هو أن يجمع بين معنيين ليس أحدهما مقابلا للآخر، لكن يتعلق أحدهما بمعنى يقابل المعنى الآخر، و تعلق أحد المعنيين بالمعنى المقابل للآخر إما لكونه بينه و بينه لزوم السببية، أو بينه و بينه لزوم آخر غير لزوم السببية، و التقابل هنا ليس بين المعنيين بل بين أحدهما و ملزوم الآخر.
(قوله: فإن الرحمة و إن لم تكن إلخ) حاصله أنه قد جمع فى هذه الآية بين الرحمة و الشدة، و من المعلوم أن الرحمة لا تقابل الشدة، و إنما تقابل الرحمة الفظاظة، و الشدة إنما يقابلها اللين، لكن الرحمة مسببة عن اللين المقابل للشدة، و ذلك لأن اللين فى الإنسان كيفية قلبية تقتضى الانعطاف لمستحقه، و ذلك لأن الانعطاف هو الرحمة فقد قوبل فى الآية بين معنيين هما الشدة و الرحمة و أحدهما و هو الرحمة له تعلق بمقابل الشدة و هو اللين و التعلق بينهما تعلق السببية أى كون الرحمة مسببة عن اللين و أصل الشدة و اللين فى المحسوسات فالشدة فيها الصلابة، و اللين فيها ضدها و هى صفة تقتضى صحة الغمز إلى
[١] الفتح: ٢٩.