حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٣٠
يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمولا لفعل فيه معنى الذم (نحو وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا [١] أى ما تعيب منا إلا أصل المناقب ...
يؤتى بمستثنى) أى كالإيمان (و قوله معمولا لفعل) أى كتنقم فيكون الاستثناء حينئذ مفرغا؛ لتفرغ العامل الذى فيه معنى الذم السابق على إلا للعمل فيما بعدها، و هو المستثنى الذى فيه معنى المدح (قوله نحو وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إلخ) أى نحو قوله تعالى حكاية عن سحرة فرعون (قوله أى ما تعيب منا) الخطاب لفرعون أى ما تعيب منا يا فرعون شيئا أو أصلا الأصل إلخ (قوله و هو الإيمان) أى و كون الإيمان أصل المناقب و قاعدة النجاة و الشرف الدنيوى و الأخروى مما لا يخالف فيه عاقل، فلا يضر كون فرعون يعتقده عيبا بالنسبة لكفره، فقد أتى فى هذا المثال بأداة الاستثناء بعدها صفة مدح هى الإيمان، و الفعل المنفى فيه معنى الذم لأنه من العيب، فهو فى تأويل لا عيب فينا إلا الإيمان إن كان عيبا، لكنه ليس بعيب و حينئذ فلا عيب فينا، قيل إن الاستثناء هنا متصل حقيقة إذ التقدير ما تعيب شيئا فينا إلا الإيمان، بخلافه فيما تقدم فإنه منقطع، و فيه أنه إن جعل متصلا حقيقة خرج المثال عما نحن بصدده، إذ ليس فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم، إذ حاصل المعنى أنك ما عبت فينا أمرا من الأمور إلا الإيمان، جعلته عيبا و ليس بعيب فى نفسه كما تعتقد، فهو بمنزلة ما لو قيل ما أنكرت من أفعال زيد إلا مواصلة فلان، و ليست مما ينكر، فالنزاع إنما هو فى المستثنى هل هو كما اعتقده المخاطب أو لا؟ و ليس من تأكيد المدح بما يشبه الذم فى شىء، لأنه لم يستثن مدحا أكد به مدحا هو نفى العيب و إنما استثنى أمرا مسلم الدخول و يبقى النزاع فيه هل هو كما زعمه المخاطب أم لا؟ بخلاف قولنا لا عيب فينا إلا الإيمان إن كان عيبا فهو بمنزلة و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم إلخ، فالتأويل على الانقطاع متعين، فيفيد هذا الضرب ما يفيده الأول من التأكيد بالوجهين و هما: أن فيه من التعليق ما هو كإثبات الشىء بالبينة، و أن فيه الإشعار بطلب ذم فلم يجده فاستثنى المدح و هو ظاهر أ. ه يعقوبى.
[١] الأعراف: ١٢٦.