حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٠٩
(كقوله [١] لم يحك) أى لم يشابه (نائلك) أى عطاءك (السحاب و إنّما، حمّت به) أى صارت محمومة بسبب نائلك و تفوقه عليها (فصبيبها الرّحضاء) أى فالمصبوب من السحاب هو عرق الحمى فنزول المطر من السحاب صفة ثابتة لا يظهر لها فى العادة علة ...
لكن تارة تظهر لنا تلك العلة، و تارة تخفى لما تقرر أن الشىء لا يكون إلا لحكمة و علة تقتضيه أما على المذهب الباطل من رعاية الحكمة وجوبا فظاهر، و أما على المذهب الصحيح فالقادر المختار وصف نفسه بالحكيم فهو يرتب الأمور على الحكم تفضلا و إحسانا منه (قوله: كقوله) أى: الشاعر و هو أبو الطيب المتنبى (قوله: السحاب) أى:
عطاء السحاب و إنما قدرنا ذلك المضاف؛ لأن المناسب أن يشبه عطاء السحاب بنيل الممدوح أى: أن عطاء السحاب لا يشابه عطاءك فى الكثرة و لا فى الصدور عن الاختيار و لا فى وقوعه موقعه؛ لأن السحاب لا اختيار لها فى نزول المطر و آثار نيلها بالنسبة لآثار عطائه واقعة فى غير موقعها، و يفهم من عدم مشابهة النائلين أن السحاب لا يشابهه فى عطائه فكأنه قيل: لا يشابهك السحاب فى عطائك و السحاب قيل جمع سحابة، و قيل اسم جنس (قوله: و إنما حمّت به) لما كان يتوهم أن كثرة أمطار السحاب سببه طلبها مشابهة الممدوح فى الإعطاء دفع ذلك بقوله و إنما إلخ أى: ليس كثرة أمطار السحاب لطلبها مشابهتك؛ لأنها أيست من ذلك لما رأته من غزير عطائك و إنما صارت محمومة بسبب غيرتها من عدم مشابهة نائلها لنائلك و تفوق نائلك على نائلها أى: فوقانه و علوه عليه فى الكم و الكيف، فالماء المصبوب من السحاب هو العرق الناشئ من الحمى التى أصابتها بسبب غيرتها فقول الشارح: بسبب نائلك أى: بسبب تغيظها و غيرتها من عدم مشابهة نائلها لنائلك (و قوله: و تفوقه) أى: علوه عليها أى:
و تفوق عطائك على السحاب أى: على عطائها.
(قوله: فصبيبها) أى: المطر المصبوب أى: النازل منه الرّحضاء أى: من أجل الرّحضاء أى: الحمى التى أصابتها بسبب غيرتها (قوله: فنزول المطر من السحاب)
[١] البيت للمتنبى فى ديوانه، و الرّحضاء: عرق الحمى.