حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٠٥
أحسنت إليهم فمدحوك فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنبا كذلك مدحى لمن أحسن إلى و هذه الحجة على طريق التمثيل ...
الذى ترتب عليه إحسانه لهم ليس ذنبا فيلزم أن يكون مدح الشاعر لهؤلاء الملوك الذى ترتب عليه إحسانهم له غير ذنب، و حينئذ فتم الاستدلال و اندفع الإشكال، و الحاصل أن الشاعر يقول للنعمان لا تعاتبنى على مدحى آل جفنة المحسنين إلى كما لا تعاتب قوما مدحوك فأحسنت إليهم، لأن سبب نفى العتاب و هو كون المدح لأجل الإحسان موجود فى كما وجد فيمن لم تعاتبهم (قوله: أحسنت إليهم فمدحوك) لو قال مدحوك فأحسنت إليهم كان أولى لما قلناه، و أورد العلامة يس بحثا آخر، و حاصله أنه لا يوجد أحد يرى مادحه لأجل إحسانه مذنبا و لا يعاتبه على ذلك و كون الإنسان لا يعاتب من مدحه لطلب إحسانه لا يستلزم أن لا يعاتب من مدح غيره لطلب إحسان ذلك الغير، و حينئذ فلم يتم الاستدلال فكان ينبغى للشاعر أن يقول: فلم يرهم غيرك مذنبين بمدحهم لك أى: فلأى شىء ترانى مذنبا بمدحى لغيرك، و أجيب بأن المراد بقوله فلم يرهم فى مدحهم لك أذنبوا لم يرهم أحد مذنبين فى مدحك و أنت من جملة من لم يرهم مذنبين فعبر عن ذلك العموم بالخطاب و المراد العموم، كما يقال لا ترى فلانا إلا مصليا أى: لا يراه أحد إلا مصليا أنت و غيرك و إذا كان الناس لا يرون أن مادح المخاطب لأجل إحسانه مذنبا لزم أنهم لا يرون الشاعر مذنبا لمدحه آل جفنة لإحسانهم، لأن سبب نفى العتاب موجود فى كل، و حينئذ فلا وجه لكون المخاطب يرى الشاعر مذنبا لمدحه لهم (قوله: و هذه الحجة) الظاهر أن هذا اعتراض على المصنف حيث مثل بهذه الأبيات للمذهب الكلامى مع أن المذهب الكلامى هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام بأن يذكر قياس اقترانى أو استثنائى مستلزم للمطلوب إذا سلمت مقدماته فالمذهب الكلامى من أنواع القياس و المذكور هنا من قبيل التمثيل الأصولى و هو إلحاق معلوم بمعلوم فى حكمه لمساواته له فى علة الحكم و هو قسيم للقياس عند علماء الميزان فكما يقال: إن البر ربوى لكونه مقتاتا فكذلك الأرز ربوى لكونه مقتاتا يقال هنا كذلك، كما أن مدح المخاطب لا عتاب فيه لكونه للإحسان كذلك مدح