حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ١٠٢
فى الخطابيات دون القطعيات المعتبرة فى البرهانيات (و قوله [١] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة) أى شكا (و ليس وراء اللّه للمرء مطلب) فكيف يحلف به كاذبا (لئن كنت) ...
و قد استمر هذا النظام العجيب طويلا و لم يحصل فيه فساد، فدل ذلك على عدم التعدد (قوله: فى الخطابيات) أى: فى الأمور الخطابية المفيدة للظن و بالجملة فالملازمة فى الشرط عادية و الدليل إقناعى لحصوله بالمقدمات المشهورة (قوله: دون القطعيات المعتبرة فى البرهانيات) أى: الأدلة المفيدة لليقين؛ لأن تعدد الآلهة ليس قطعى الاستلزام للفساد لجواز عدم الفساد مع تعدد الآلهة بأن يتفقوا، و الحاصل أن الدليل إقناعى لا برهانى و هذا بناء على ما قاله الشارح من أن المراد بالفساد اللازم لتعدد الآلهة الخروج عن هذا النظام المشاهد، و أما لو أريد به عدم السكون أى: عدم الوجود من أصله كانت الملازمة قطعية و كان الدليل برهانيّا؛ و ذلك لأنه لو تعدد الإله لجاز اختلافهما و لو توافقا بالفعل، و جواز الاختلاف يلزمه جواز التمانع، و جواز التمانع يلزمه عجز الإله، و عجز الإله يلزمه عدم وجود السماء و الأرض، لكن عدم وجودهما باطل بالمشاهدة، فما استلزمه من تعدد الإله باطل (قوله: و قوله) أى: قول النابغة الذبيانى من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر ملك العرب بسبب تغيظ النعمان عليه بمدحه آل جفنة و هم قوم أصلهم من اليمن فارتحلوا منها و نزلوا بالشام و كان بينهم و بين النعمان عداوة (قوله: حلفت) أى: حلفت لك باللّه ما أبغضتك و لا احتقرتك و لا عرضت عند مدحى آل جفنة بذمك (و قوله: فلم أترك لنفسك ريبة) أى:
فلم أبق عندك بسبب ذلك اليمين شكّا فى أنى لست لك بمبغض و لا عدو، و الريبة فى الأصل: الأمر الذى يريب الإنسان أى: يقلقه أريد بها هنا الشك كما قلنا، و قال فى الأطول: المعنى حلفت أنى باق على محبتى و إخلاصى لك الذى كنت عليه، فلم أترك بسبب هذا اليمين نفسك تتهمنى بأنى غيرت إخلاصى لك و أبدلتك بغيرك (قوله: و ليس وراء اللّه للمرء مطلب) أى: أنه لا ينبغى للمحلوف له باللّه العظيم أن يطلب ما يتحقق
[١] للنابغة الذبيانى يعتذر إلى النعمان فى ديوانه ص ٧٢.