الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٩٤
ذلك وعنده علم الكتاب الذي استطرّ فيه كلّ شيء.
وهذا ما يشير إليه قول علي (عليه السلام) في الخطبة المعروفة بالقاصعة: "... ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حيث نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله) فقلت: يارسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير".[١]
ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}[٢]، فإّنه قد أثبت الرؤية لا الرأي، وقد وصف القرآن الذين أوتوا العلم بأنّ مجموع القرآن آيات بيّنات في صدورهم.
وأمّا قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}[٣]، وهذا وإن كان شهادة ممّن أسلم من بني إسرائيل على مثل القرآن من الكتب السابقة المنزّلة، إلاّ أنّه في الحقيقة ليس الاعتداد بشهادتهم الصادرة منهم من جهة أشخاصهم، وإنّما هي في الحقيقة شهادة الكتب السابقة على نبوّة النبيّ الخاتم وحقّانية القرآن المنزّل، فالشهادة إذن لصدق النبوّة وصدق القرآن هي بشاهد غيبي، وهو الكتب المنزّلة السابقة مسانخ ومن نمط المشهود له.
الخامس: إنّ لفظ (الكتاب) في الآية لم يُقيّد بقيد الدالّ على إرادة الكتب السابقة المنزّلة، مضافاً إلى أنّ (ال) إمّا جنسية أو عهدية، والجنسية هو ما يراد به اللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب، وقد تقدّم أنّه لا يحيط به من أسلم في المدينة من أهل الكتاب، ولا ادَّعى ذلك ولا ادُّعي فيهم ذلك، وإنّما الذي ادّعى ذلك في الأُمّة
[١] نهج البلاغة خطبة ١٩٢.
[٢] سورة سبأ٣٤: ٦.
[٣] سورة الأحقاف ٤٦: ١٠.