الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٢٦
إبليس بذاته بأنّ له شأن الارتباط والتلقّي مباشرةً عن الباري، وهذا يؤول إلى الاستخفاف بعلوّ مقامات الربوبية وإنكار عزّ الشؤون الإلهية.
وسنّة إبليس هذه قد ارتكبنها أغلب الأُمم التي كفرت بأنبيائها وأوصيائها، كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِيء مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً}[١]، فبيّن أنّ سبب إنكارهم لدعوات الأنبياء استطالتهم ليكون كلّ واحد منهم نبيّاً، فالتكبّر والاستعلاء على الواسطة الإلهية ينطوي على الكفر بالمقامات الإلهية، وبالتالي إلى جحد وإباء للواسطة الإلهية.
وقال تعالى أيضاً: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولاً}[٢]، فدعاوى نفي الوسائط الإلهية والوسيلة إليه تعالى تحت ذريعة الارتباط مباشرةً به، هي هتك للحجب الإلهية وتجرّي على حرمات الشؤون الإلهية، وهو ناشئ حقيقةً ـ عن عدم التسليم بعظمة الصفات الإلهية، وعدم التوحيد في المواطن المختلفة. فالإباء والرفض للتوجّه إلى الواسطة والوسيلة المنصوبة من قبله تعالى تحت شعار لزوم الطلب مباشرة من الله لا من الواسطة ولا التوبة الى الواسطة، ينطوي على التكبّر الإبليسي والاستخفاف بالمقام الربوبيّ.
ومن ثمّ نجد أنّ القرآن الكريم يشير إلى أنّ شرك عبدة الأوثان ناشئ من اختيار الوثنيين تلك العبادة من عند أنفسهم دون إذن من الله تعالى حكم منه، لا من جهة ضرورة الواسطة والوسيلة بين المخلوق الذي ليس من المقرّبين إلى الساحة الربوبية وبين الخالق ; فإنّ الواسطة والوسيلة ضرورة تكوينية وسنّة إلهية، بل
[١] سورة المدّثّر ٧٤: ٤٩ ـ ٥٢.
[٢] سورة الإسراء ١٧: ٩٤.