الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٣٧
الله رضاً وهو الحقّ وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخَذ وهو عند الله الحقّ"[١].
وفي هذه الرواية العديد من الوجوه على ضرورة موقعية الإمام في القيمومة على الشريعة، وسيأتي بيانها مفصّلاً، إلاّ أنّنا نقتصر في المقام على نبذة مجملة منها، وهي أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) مع كونه نبيّاً مرسلاً من أولي العزم يتنزل عليه الوحي، أي إنّه محيط بالأحكام الشرعية وتشريعات الله على ما هي عليه في الواقع، أي بالأحكام الواقعية، إلاّ أنّ ذلك لم يغنه عن العلم اللدني الذي أعطاه الله للخضر، وهو الشريعة في نظامها الكوني والإرادات الإلهية التكوينية. وهذا العلم اللدني غير النبوّة، وهو حقيقة الإمامة، والذي كان مجتمعاً بشكله الأكمل والأتمّ في خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، فلا تُغني الإحاطة بالأحكام الواقعية لكلّ تفاصيل ظاهر الشريعة عن شريعة الإرادات الإلهية الكونية وتأويلها، فضلاً عن إحاطة الفقهاء القاصرة عن الإلمام بكلّ الأحكام الواقعية لظاهر الشريعة.
بل الفقهاء كما ذكر المحقّق النائيني في بحث الإجزاء ـ لا يحيطون بجميع الأحكام الظاهرية التي دورها إحراز الأحكام الواقعية لظاهر الشريعة ; فإنّ جملة من الأحكام التي يستنبطها هي أحكام تخيّلية التي ينكشف له عدم كون استنباطها على الموازين من الأدلّة.
وبعبارة أُخرى: إنّ الفارق بين علم النبيّ موسى وعلم الفقهاء، إنّ علم النبيّ موسى ليس منبعه نقلي، بل هو منبع وحياني، بينما منبع علم الفقهاء ليس إلاّ ظنون معتبرة، فضلاً عمّا لو كانت ظنون تخيّلية يتوهّم أنّها معتبرة، ومع كلّ ذلك فلم يُغن علم النبيّ موسى وهو صاحب الشريعة ـ عن علم التأويل الذي زوّده الله تعالى للخضر لدنيّا، فكيف يفرض إستغناء الفقهاء في أحكام الشريعة عن دوام الرجوع إلى المعصوم؟
[١] تفسير البرهان ص ٦٥١ ـ ٦٥٢.