الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٢٤
حيث بيّن تعالى أنّ غاية جعل القبلة السابقة في الصلاة هو اتّباع الرسول وطاعته، وليحصل التمحيص بين المطيع وبين من ينقلب على عقبيه، ولا يخفى ما لصعوبة هذا الامتحان، حيث تمّ تبديل القبلة من البيت الحرام إلى بيت المقدس، أي إلى قبلة اليهود والنصارى، وشُرّعت بعدما كان البيت الحرام في بدء الشريعة النبوية أوائل البعثة في مكّة ـ هو القبلة، وهو من الخطورة بمكان ; حيث إنّ القبلة في العبادة والدين من النواميس العظيمة.
ولا سيما وأنّ قبلة البيت الحرام قد توارثتها قريش من ملّة إبراهيم وإسماعيل الحنيف، وكان البيت الحرام هو محور النسك والمناسك المختلفة العبادية في الصلاة والطواف والذبائح والقرابين، وتبديل القبلة حينئذ ـ التي هي معلم رئيسي في الدين يدلّ على مدى موقعية الرسول وولايته وطاعته في الديانة، وأنّ الديانة وطريق العبودية لله تعالى هو باتّباع وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأنّ قوام القبلة والعبادة باتّباع الرسول وطاعته، فكانت محنة هذا الامتحان عظيمة جدّاً ليتقرّر معنى الديانة والدين.
ومن ثمّ قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}[١]، وقال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[٢]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض
[١] سورة البقرة ٢: ١٧٧.
[٢] سورة التوبة ٩: ١٩، نزلت هذه الآية في محاجّة بين عليّ (عليه السلام) وشخص آخر فنزلت بتفضيل عليّ (عليه السلام).