الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٧٧
في العلم بمعية الكتاب العزيز، يكونون قد اهتدوا إلى كيفية التمسّك بالكتاب والأخذ به من دون زيغ قلوبهم عن الحقّ ; إذ من تفرّد بالأخذ بالكتاب من دون التمسّك بالراسخين بالعلم، قد حكمت عليه الآية بزيغ قلبه، فلذلك اتّبع المتشابه، وأنّ اتّباعه للمتشابه طلباً لفتنة الناس عن الحقّ وعن الدين، وطلباً لتأويل الكتاب وعطفه على ما يوافق أهوائهم وجهالتهم.
كما أنّ جملة {يقولون آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}[١] المجعولة صفة للراسخين في العلم على تقدير الواو عاطفة، أو خبر على تقدير كون الواو استئنافية، فإنّ الجملة الدالّة على علم الراسخين بالعلم بالتأويل حيث إنّ الضمير عائد إلى التأويل، وتعلّق الإيمان به يستلزم العلم به بنحو ما، لا سيما وأنّه قد وصف بإضافته إلى أنّه من عند الله، والتوصيف يستلزم التعيين، كما أنّ وصفهم بالراسخين بالعلم أيضاً مشعرٌ بذلك، وكذا إرداف ذكرهم للمستثنى وهو الباري تعالى، وكذا قولهم بعدم مخالفة المتشابه للمحكم ; لأنّ كلّ منهما من عند الله تعالى، أي وحدتهما في ذلك دالّ على معرفتهم بكيفية رجوع المتشابه إلى المحكم، أي تأويله به.
مضافاً إلى أنّه لو لم يكن ثلّة من هذه الأُمّة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) تعلم متشابه القرآن وكيفية تأويله بالمحكم، لكان يلزم منه تعطيل الكتاب بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا هو مفاد حديث الثقلين.
وبذلك تدلّ الآية على اختصاص علم الكتاب بهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، دون غيرهم من الأُمّة.
ثمّ إنّ مقتضى إحاطتهم بعلم الكتاب هو إحاطتهم بناسخه ومنسوخه، وعامّه وخاصّه، ومطلقه ومقيده، وموارد نزوله، وعزائمه، من رخصه، ومغايرة متشابهه
[١] سورة آل عمران ٣: ٧.