الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٧٦
الباري اصطنعه بيد القدرة الربانية، كما في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[١]، وقوله تعالى في شأن النبيّ موسى:{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[٢]، بنحو يكون جميع شؤونه وحيانيةً. ومن ثمّ فرض الباري على البشرية لزوم التأسّي برسوله في جميع شؤونه، حيث قال: {لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[٣]، وأطلق تعالى الأمر بالأخذ بجميع ما يأتي به النبيّ (صلى الله عليه وآله) والانتهاء عمّا ينهى عنه، فقال: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.
وما اشتهر في كلمات المفسّرين وجملة من المتكلّمين وعلماء الأُصول، وكثير من بحوث المعرفة الدينية، من تقييد هذه الآية وآية {مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} وآية (التأسّي) بالشرعيات والأحكام دون العاديات وأُمور المعاش، فقال بعضهم: (ويحتجّ بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويُجاب: بأنّ الله تعالى إذ سوّغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كلّه وحياً لا نطق عن الهوى)[٤]، فمبنيّ على النظرية التي سبق تخطئتها من التفكيك في شخصيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بين الفطرة الغريزية والنفسانية والفطرة العقلانية والفطرة الوحيانية. وقد سبق عدم تعقّل خروج درجات النفس النبويّة عن هيمنة الفطرة الوحيانية، ومن ثمّ وصفه الباري بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم}[٥]، وقال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}[٦].
وقال تعالى: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم}[٧]، ووصفه تعالى بالرؤوف الرحيم، مع أنّها من أسمائه الحسنى، فقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[٨].
[١] سورة طه ٢٠: ٣٩.
[٢] سورة طه ٢٠: ٤١.
[٣] سورة الأحزاب ٣٣: ٢١.
[٤] الكشّاف للزمخشري ٢ / ٤١٨.
[٥] سورة القلم ٦٨: ٤.
[٦] سورة الشرح ٩٤: ١.
[٧] سورة يس ٣٦: ٣ - ٤.
[٨] سورة التوبة ٩: ١٢٨.