الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٦٣
كما طُرد إبليس من درجة القرب وحُرمت عليه الرحمة الإلهية، وأُسقط من مقام الزلفى إلى حضيض البعد وهاوية اليأس وقعر الحرمان واللعنة ; لاستكباره على خليفة الله وإباءه عن استقبال آدم في السجود والتوجّه به إلى الله، فهو بذلك لم يقصّر في آداب العبودية مع الحضرة الربوبية فقط، بل امتنع عليه الوفود إليه تعالى، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}[١]، فمن أُصول السنن الإلهية في أدب التوجّه واللقاء والقرب هو الخضوع لآياته وأصفياءه الذين نصّبهم حججاً على خلقه، بالتوجّه إليهم ليتّخذهم وسيلة إلى الله.
حقيقة ابتغاء الوسيلة هو قصدها:
ومنها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[٢] والآية يمكن أن يذكر في إعرابها احتمالان:
الأوّل: أن يكون قوله (ابتغوا) قد أُسند إلى كلّ من (إليه) و(الوسيلة)، فيعمل فعل (ابتغوا) في كلّ من الجار والمجرور والاسم وهو الوسيلة، وعلى ضوء هذا التقدير في الإعراب يكون الابتغاء ـ وهو القصد والتوجّه ـ قد جعل متعلّقاً بكلّ من الجار والمجرور والوسيلة.
وحاصل المعنى حينئذ أنّه في مقام القصد يتوجّه إلى كلّ من الساحة الربوبية
[١] سورة الأعراف ٧: ١٢ - ١٣.
[٢] سورة المائدة ٥: ٣٥.