الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٨٤
وأيضاً قد أطلق على القرآن في سورة القصص: {طَسِمِ * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}[١]، وكذا في سور اُخرى[٢]، وكذا ما مرّ في الطائفة الثانية من وصف الكتاب بأنّ فيه تبيان كلّ شيء، وقد نُعت الكتاب المبين في القرآن بأنّ ما من غائبة في السماء ولا في الأرض إلاّ فيه، وأنّه فيه مفاتح الغيب وما في البرّ والبحر وكلّ شيء. وكذا ما مرّ في الطائفة الأُولى من وصف الآيات المحكمات للكتاب بأنّها أُمّ الكتاب، وقد ذُكر في آيات هذه الطائفة، أنّ كلّ ما يمحى ويثبت في المشيئة الإلهية هو في أُمّ الكتاب. فمحكمات الكتاب هي أُمّ الكتاب.
ويتحصّل حينئذ: إنّ القرآن الكريم يشتمل على جميع مسائل علوم الدين والعلوم الأُخرى، وهذا يعزّز عموم مفاد الطائفة الثانية من أنّ في الكتاب تبيان كلّ شيء، ويدعم ذلك أنّ القرآن قد وصِف أنّه مهيمن على الكتب السابقة، كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}[٣]، والهيمنة هي الإحاطة، مع أنّه قد وصفت بعض الكتب السماوية المتقدّمة باحتوائها على غير علوم الدين، كقوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}[٤]، فإنّ المجيء بعرش بلقيس بقدرة علم من الكتاب ليس ممّا يرتبط بالأحكام، وكذا قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الاَْمْرُ جَمِيعًا}[٥]، فقوله تعالى: {يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}[٦] دالّ على أنّ حقيقة القرآن تشمل وتحوي المشيئات الإلهية،
[١] سورة القصص ٢٨: ١ ـ ٢.
[٢] سورة الزخرف ٤٣: ٢، القمر ٥٤: ٥٢ ـ ٥٣، الشعراء ٢٦: ٢، يوسف ١٢: ١.
[٣] سورة المائدة ٥: ٤٨.
[٤] سورة النمل ٢٧: ٤٠.
[٥] سورة الرعد ١٣: ٣١.
[٦] سورة الرعد ١٣: ٣٩.