الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٧٦
إلى محكماته وتأويل متشابهاته. وهو مفاد حديث الثقلين.
وإنّ علم الراسخين في العلم ليس من العلم الكسبي ; لأنّه لا يؤهّل إلى ذلك مهما بلغ الإحاطة بدرجة من محكمات الكتاب ; إذ من الضروري أنّ الكتاب المجيد الحجّة لكلّ هذه النشأة، لا تنتفي حقائقه ولا تحصى محكماته المحيطة بتطاول هذه النشأة، بل وبالنشآت السابقة واللاحقة، فالعلم التامّ بكلّ الكتاب الذي أثبتته هذه الآية للراسخين في العلم لا يكون إلاّ من سنخ العلم اللدني ; إذ الكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شيء وما من غائبة في السموات والأرض إلاّ فيه ـ هو من لدن الغيب، والعلم التام به من سنخه.
ولا سيما وأّن الآية قد قرنت تشريفاً ـ الراسخين في العلم بالله تعالى، ونفت العلم بالكتاب كلّه عن الجميع، وحصرته في الذات الإلهية ومن بعده بالراسخين في العلم، ممّا يعطي شرافةً وتعظيماً للراسخين في العلم كحجج الله على خلقه، ووهبهم ذلك النمط اللدني من العلم.
ومقتضى حجّية الكتاب وحجّية الراسخين في العلم، أنّ حجّيته مرهونة بحجّيتهم، وحجّيتهم مرهونة بحجّيته أيضاً، فالحجّتان من سنخ واحد، ممّا يدلّ على عصمتهم ; وإلاّ لو جاز عليهم الخطأ لانسدّ باب العلم في الكتاب ولزم التعطيل.
ويشير إلى مقام حجّيتهم ذيل الآية: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الاَْلْبَابِ}[١]، إشارة الآية إلى مثل هذه المضامين إنّما يتفطّن إليها ذو اللبّ، لا ذو الذهنية القشرية الذي لا يبصر إلاّ القشور. وكذلك الآية اللاحقة {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[٢]، أي أنّ ذوي الألباب بتفطّنهم بحجّية الراسخين
[١] سورة البقرة ٢: ٢٦٩.
[٢] سورة آل عمران ٣: ٨.