الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٥٨
الموجودات الحيّة الشاعرة العاقلة، هي سنخ موجودات كينونتها في الغيب الذي هو باطن السماوات، أي في نشأة ما وراء السماوات وما وراء نشأة الملائكة، وهذا ينطبق على المخلوقات النورية، ولا ريب في كون نور النبيّ هو أحدها، لأنّه سيّد الكائنات والمخلوقات، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}[١]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[٢].
فتحصّل من هاتين الطائفتين الإشارة الواضحة إلى الخلقة النورية المتقدّمة على خلق السماوات والأرض باعتبار وصفها غيب السماوات والأرض.
وهناك آيات أُخرى تتعرّض لخلقتهم النورانية، لسنا في صدد بسط الدلالة حولها، ونكتفي بالإشارة في الموضع المناسب لها، نظير قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[٣]، وقوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[٤].
والمهم الالتفات إلى أهميّة هذه القاعدة في الاعتقادات والمعرفة الدينية ; حيث إنّ لها موقع الأُمومة والأصل لكثير من المعارف والقواعد والمسائل الاعتقادية، وقد مرّ نماذج من ذلك في الروايات، حيث إنّهم (عليهم السلام) يستدلُّون على بقية مقاماتهم بذكر هذا الأصل المعرفي.
وهذه الأُمور لهذه القاعدة تقتضيها القواعد الحكمية والعقلية ; إذ للصادر الأوّل والصوادر الأُولى في الإبداع الوجود الأشرف، بالقياس إلى سائر أقسام الخلقة، فلابدَّ من توفّرها على سائر الكمالات التي تكون فيما دونها من الخلقة، فإذا تقرّر
[١] سورة النجم ٥٣: ٨ ـ ٩.
[٢] سورة الأنبياء ٢١: ١٠٧.
[٣] سورة التوبة ٩: ٣٢.
[٤] سورة الأعراف ٧: ١٥٧.