الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٨
محلّه الذي وضعه له الدين، أي التجاوز برتبته الرتيبة التي جعلها الدين لذلك الشيء، ومن ثم وضعه في غير حقّ موضعه الذي حدّد في الدين، وإلى ذلك تشير الآية الثانية.
كما يلزم من الغلوّ القول على الله بغير الحقّ ; لأنّ التديّن والديانة بالإفراط في الشيء ينطوي على نسبة ذلك إلى دين الله تعالى وتشريعه، وبالتالي الافتراء على الله عزّوجلّ، وإلى هذا المعنى تشير الآية الثانية.
ويتحصّل من ذلك: أنّ للغلوّ معنىً عامّ وهو التجاوز بالشيء والإفراط في رتبته زيادةً على الرتبة التي حدّدها الشارع لذلك الشيء. ولهذا المعنى العامّ موارد ومصاديق لا تحصى ; إذ لا يقتصر الغلوّ على التأليه وهو ما ارتكبته النصارى في النبيّ عيسى (عليه السلام) بل يعمّ الإفراط والتجاوز في كلّ شيء زاد عن حدّه المرسوم في دين الله، فلو اعتُقد في الإمام أنّه نبيّ لكان ذلك من الغلوّ وكذا لو اعتُقد في النبيّ غير المرسل أنّه رسول لكان من الغلوّ أيضاً، وهكذا لو اعتُقد في صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالعصمة لكان من الغلوّ أيضاً، وكذا لو اعتُقد في علماء الأُمّة وفقهائها أو في بعض العارفين السالكين أو في بعض الحكماء والفلاسفة بالعصمة لكان من الغلوّ أيضاً، وكذا لو اعتُقد في بعض أركان فروع الدين أنّه برتبة تفوق بعض اُصول الدين الاعتقادية كان من الغلوّ أيضاً...
وبالجملة، فوضع أيّ شيء في رتبة زائدة عن الرتبة التي حدّدها الدين لذلك الشيء فهو من الغلوّ، ولا يقتصر ذلك على التأليه، كما لا يقتصر شكل الغلوّ ونموذجه على التصريح بالإفراط في رتبته، الشيء بل قد يتّخذ أشكالاً وأنماطاً متعددة ترجع في جوهرها إلى الافراط في الحدّ والرتبة، وذلك مثل ترتيب أحكام وآثار على ذلك الشيء تتجاوز برتبتها عن رتبة الشيء، مثل أن نجعل قول الصحابي في قبال قول النبي (صلى الله عليه وآله).