الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٥٨
يعرض متشابه القرآن على محكم كلّ من القرآن والسنّة النبويّة، كما يعرض متشابه السنّة على محكم كلّ منهما.
القسم الرابع:
صلاحية الخيار لهم في البيان والعمل بين الحكم الواقعي والظاهري، بل يمتدّ هذا الخيار في درجات الحكم الواقعي نفسه، حيث بيّن القرآن الكريم أنّ للحكم الواقعي وللحقّ مراتب، إذ قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيَْمانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيَْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}[١]، فقرّر تعالى أنّ كلاًّ من الحكمين حقّ مع اختلافهما.
وكذلك ما قصّه القرآن الكريم عن النبيّ موسى والخضر (عليهما السلام)، وقد استعرضت سورة الكهف ثلاث قضايا وهي بالتأمّل ليس من قبيل الحكم الواقعي والظاهري، بل من قبيل الحكمين الواقعيين، أحدهما واقعي أوّلي والآخر تأويلي.
وكذا ما يشير إليه القرآن الكريم من مراتب الهداية، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[٢]، وقوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}[٣]، وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[٤]، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}[٥]، وقوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا}[٦]، فتقرّر هذه الآيات أن الهداية إلى الحقّ ذات مراتب مختلفة، ممّا يقتضي أنّ للحقّ مراتب ومدارج وأبدال على الخيار لهم (عليهم السلام)، وقد أشاروا إلى ذلك في قوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا
[١] سورة الأنبياء ٢١: ٧٨ ـ ٧٩.
[٢] سورة محمّد ٤٧: ١٧.
[٣] سورة مريم ١٩: ٧٦.
[٤] سورة طه ٢٠: ٨٢.
[٥] سورة الكهف ١٨: ١٣.
[٦] سورة التحريم ٦٦: ٨.