الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ٢٤٥
بين هذين القولين أنّ الله أقدر الخلق على أفعالهم، ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض لهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض)[١].
قال المجلسي في البحار: (وأمّا التفويض: فيطلق على معاني بعضها منفي عنهم (عليهما السلام) وبعضها مثبّت لهم.
فالأوّل: التفويض في الخلق والرزق والتربية والإماتة والإحياء، فإنّ قوماً قالوا إنّ الله تعالى خلقهم وفوّض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون...
ثمّ ذكر لهذا القول وجهين، حكم بأنّ أحدهما كفر صريح، والآخر دلّت الأخبار على المنع عنه، ثمّ قال:
الثاني: التفويض في أمر الدين وهذا أيضاً يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الله فوّض إلى النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) عموماً أن يحلّوا ما شاؤا ويحرّموا ما شاؤا من غير وحي وإلهام، أو يغيّروا ما أُوحي إليهم بآرائهم، وهذا باطل لا يقول به عاقل; فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان ينتظر الوحي أياماً كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده وقد قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}[٢].
وثانيهما: أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه (صلى الله عليه وآله) بحيث لم يكن يختار من الأُمور شيئاً إلاّ ما يوافق الحقّ والصواب ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيئته تعالى في كلّ باب،
[١] تصحيح اعتقادات الإمامية: ٤٧.
[٢] سورة النجم ٥٣: ٣ ـ ٤.