الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٧٢
من الأنبياء إلاّ بعد تسليمهم لولاية النبيّ وطاعته والخضوع له، وأخذ في ذلك عليهم العهد المغلظ الشديد، ولم يكتفِ بذلك، بل أشهدهم على ذلك، وأشهد عليهم ذاته الأزلية، وهذا مفاد قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}[١]، فالميثاق الذي أخذه الله على النبيّين هو على ولما أتاهم من نبوّة وحكمة، وفي مقابل ذلك شرط عليهم وأخذ العهد على أن يؤمنوا ويتدينوا بنبوّة سيد الرسل، وبأن يلتزموا بمناصرته وطاعته وموالاته، ثمّ أخذ تعالى بعد ذلك الميثاق، أخذ الإقرار والالتزام والتعهّد منهم بتلك المشارطة والمعاوضة، ثمّ في المرتبة الثالثة شدّد عليهم عهده، وغلّظ، وبيّن عظمته، ثمّ في المرتبة الرابعة أشهد عليهم.
فلم يستحصل الأنبياء على النبوّة والكتاب والحكمة فضلاً عن بقية المقامات الغيبية إلاّ بالموالاة والطاعة والخضوع لسيد الأنبياء، والتوجّه به إلى الله، فشفاعته (صلى الله عليه وآله) يضطرّ إليها جميع الأنبياء والمرسلين فضلاً عن جميع الأُمم، فنيل كلّ مقام للأصفياء المصطفين لا يتمّ لهم إلاّ بالتوجّه إلى باب الله الأعظم، وهو سيد الأنبياء.
ويشير إلى توسّل الأُمم السابقة بسيد الأنبياء ما في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}[٢]، والآية نازلة في اليهود، حيث كانوا يؤمنون بمجيء خاتم الأنبياء من قبل، وكانوا في حروبهم مع الكفّار يستفتحون بالنبيّ ويتوسّلون به إلى الله ; لكي ينزل النصر عليهم، فلمّا جاءهم
[١] سورة آل عمران ٣: ٨١.
[٢] سورة البقرة ٢: ٨٩.