الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٦٦
ومن ثمّ أُشير في تفسير قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[١]، أي (ليعرفون) ففُسّرت العبادة بالمعرفة، كما في النصوص المستفيضة وتفاسير الفريقين ; لأنّ المعرفة والإيمان من العقل، يعني عدم إباءه وعدم جحوده وعدم تمرّده وطوعانيته وخضوعه للحقّ، وهو حقيقة العبادة المتصوّرة من جوهر العقل، فإذا كانت معرفة التوحيد والعبادة التوحيدية في العقل لا تقام إلاّ بالتوسّل بالآيات والتوجّه إليها وقصدها ليحصل إليه تعالى فهي بابه الأعظم الذي منه يُؤتي، فبماذا يلهج هؤلاء السلفية وأنّى يُصرفون عن التوجّه إلى الوسيلة ويزعمون أنّهم يتوجّهون مباشرة إليه تعالى؟ وهل وجدوا من أنفسهم أنّهم أقرب الخلق إليه تعالى، وإذا كان هذا حال العقل فكيف بمن دونه؟
فالعبادة لا تقتصر على بدن الإنسان وحركاته، ولا على النفس وأفعالها الجانحية من النية والقصد، بل يعمّ عبادة أفعال العقل والقلب والروح، وإذا كانت هذه الثلاثة التي هي أقرب إلى الله تعالى تحتاج في عبادتها بل مطلق قصدها وتوجّهها إلى الله تعالى إلى التوجّه إلى الآيات وقصدها، فكيف بما دونها، وإذا كان للآيات أخطر دور في علاقة العبد بالباري وهو مقام المعرفة وأنّ معرفتها معرفته تعالى والتوجّه إليها توجّه إليه تعالى، يتّضح أنّ آياته الكبرى هي بابه الأعظم الذي منه يُؤتى ومنه الوفاد إلى الحضرة الإلهية.
وبذلك يتّضح ما ورد "بنا عُبد الله وبنا عُرف"[٢].
ومنها: تعاضد دلالة آية الوسيلة مع السابقة الدالّة على كون الآيات مفتاح أبواب السماء ومفتاح دخول الجنّة، حيث دلّت على أنّ الآيات الإلهية ممّا يتوجّه بها إليه تعالى، وأنّها مفتاح التوجّه والسير إليه عزّ شأنه، والآية هي العلامة الدالّة،
[١] سورة الذاريات ٥١: ٥٦.
[٢] الكافي ١ / ١٤٥.