الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٦٥
من عظمته لا يُكتنه ولا يُكتنف ولا يُحاط به، كما لا يملس ولا يجبه ولا يمسّ ولا يجسّ ; إذ ليس هو بجسم وليس بروح وليس بعقل، فلا يجسّم ولا يشبّه بأحد من خلقه، إلاّ أنّ نفي التشبيه بمراتبه لا يستلزم التعطيل، بل إنّ فعله دالّ عليه، ولا سيما عظائم خلقه وهي آياته الكبرى، ومنها يتعرّف العقل ويهتدي إليه تعالى وإلى عظيم صفاته، كما هو محرّر مبسوط في مباحث المعرفة التوحيدية.
فبين نفي التشبيه ونفي التعطيل إقامة التوحيد، تتحقّق بدلالة الآيات، كما أشارت إلى ذلك الصدّيقة الزهراء فاطمة (عليها السلام) في مستهل خطبتها، حيث قالت: "وأحمد الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السموات والأرض إليه الوسيلة، ونحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصّته ومحلّ قدسه، ونحن حجّته في غيبه"[١].
فتعلّل سلام الله عليها ـ ضرورة الوسيلة وابتغاءها بشدّة عظمة الله، وحيث إنّ التعطيل مفروغ من بطلانه، فتحتّمت ضرورة الوسيلة فالبرهان المتقدّم مستفاد من كلامها (عليها السلام).
ويُستفاد البرهان المتقدّم أيضاً من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "الله عزّ وجلّ حامل العرش والسماوات والأرض... {أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَد مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}[٢]... وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة.."[٣] ومثلها عن الإمام أبي الحسن موسى (عليه السلام)[٤].
فاذا كانت معرفة العقل هي بوسيلة الآيات والتوجّه إليها والتدبّر فيها يحصل التوجّه مآلا إليه تعالى، ومعرفة العقل والقلب هي الإيمان وهي عبادة العقل والقلب ; لأنّ الإيمان إخبات وتسليم وإذعان وخضوع وانقياد وهو معنى العبادة،
[١] شرح النهج لابن أبي الحديد ١٦ / ٢١١.
[٢] سورة فاطر ٣٥: ٤١.
[٣] الكافي ١ / ١٢٩.
[٤] الكافي ٨ / ١٢٤.