الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - الساعدي، صادق محمدرضا - الصفحة ١٠٣
ذهب إليه أكثر أهل سنّة الجماعة، بل هو تدبير عن علم وإحاطة بالأُمور بأقدار من الله عزّوجلّ. فهذا الاستنباط هو استخراج صُراح الحقّ كما هو أصل معنى الاستنباط لغةً دون المعنى المصطلح عليه المتأخّر في العلوم الدينية، وليس إعمال الموازين الظاهرية التي قد تخطأ أو تصيب، كما لا مجال للخطأ في استخدام الموازين في تدبير الأُمور العامّة من قِبل الرسول وأُولي الأمر.
نعم، قد يوهم إسناده إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر من ناحيتين:
الأُولى: إنّ الجهاز الحاكم في حكومة الرسول وأُولي الأمر غير معصوم، وقد يرتكب الأخطاء أو المعاصي، فينسب ذلك بعضهم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر، على أنّ هذا الإسناد ليس في حقيقته متّصل بالرسول (صلى الله عليه وآله)، بل يُنسب إلى أعضاء حكومته (صلى الله عليه وآله)، نظير ما صنعه خالد بن الوليد في فتح مكّة حيث غدر ببني الأجلح فتبرّأ النبيّ (صلى الله عليه وآله) من فعله بقوله: "اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعله خالد"[١] وكان معيّناً من قبل النبيّ (صلى الله عليه وآله) على إحدى الفرق العسكرية المرسلة، ثمّ انتدب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) ليسترضيهم ويعطي الدية لمن قُتل منهم.
وكذا ما صنعه أُسامة بن زيد حينما قتل مَن أظهر الإسلام شبهةً وظنّاً منه أنّ إظهار الشهادتين لا يحقن الدم مع الريبة.
الثانية: إنّ الميزان الظاهري الشرعي الموظّف العمل به أن يكون ظاهرياً، أي قد يخطئ وقد يصيب، نظير البيّنة والحلف في القضاء كما في قوله (صلى الله عليه وآله): "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فكأنّما قطعت له قطعة من النار"[٢].
[١] المسترشد لمحمد بن جرير الطبري: ٤٩٢.
[٢] الوسائل (آل البيت) ٢٧ / ٢٣٢.